Make your own free website on Tripod.com

KFARKELA

AAMEL MOUNTAIN

Home
HISTORY BC
HISTORY AC to1100
HISTORY AC 1100 to 1920
ISRAELI OCCUPATION
Lebanon and Israeli Occupation
Palestine and Israeli Occupation
AAMEL MOUNTAIN
RUINS and CAVES
GENERAL VIEW
VITAL RESOURCES

waterlily.gif

aamel.jpg


أبـو ذرّ وَالتّـشيُّع في جَبـل عَامِـل

 

وقبل الدخول في الموضوع ، لا بد لنا من الوقوف على موقع ( جبل عامل ) الجغرافي من بلاد الشام ، تأريخيا ، لكي تتثبت من إقامة ابي ذر فيه ، وتنجلي لنا حقيقة الامر في ذلك .

حـدود الـشـام :

قال ياقوت في معجم البلدان : وأما حدها ـ يعني الشام ـ فمن الفرات الى العريش المتاخم للديار المصرية .
وأما عرضها : فمن جبلي طيىء من نحو القبلة ، الى بحر الروم ، وما بشأمة ذلك من البلاد . وبها من أمهات المدن : منبج ، وحلب ، وحماة ، وحمص ، ودمشق ، والبيت المقدس ، والمعرة . وفي الساحل : إنطاكية ، وطرابلس ، وعكا ، وصور ، وعسقلان ، وغير ذلك . . الخ (1) .
هذه هي سعة الشام وسعة حدودها ـ في ذلك الوقت ـ ويتضح من ذلك ، ان منطقة جبل عامل داخلة في ضمنها ، لأن منها صور .
وقال في متن اللغة . مادة : ع م ل .
بنو عاملة ، حي يمان من ولد الحرث بن عدي . ينتهي الى كهلان بن سبأ ، نُسبوا الى أمهم عاملة بنت مالك القضاعية . وجبلهم بالشام ، فوق
____________
1 ـ معجم البلدان 3 / 312 مادة : شأم .


(73)


صور وصيدا ، يعرف بهم . واشتهر باسم : جبل عامل (1) .
المهم : ان الشام لم تكن اسما لخصوص دمشق ( العاصمة ) ، بل كان لفظ الشام يطلق على المنطقة المشار اليها آنفا بأجمعها ، بما فيها جبل عامل .
وقد أشرنا سابقا الى أن أبا ذر ( رض ) أقام في الشام بعد وفاة أبي بكر ـ كما يظهر من رواية الاستيعاب ـ حتى شكاه معاوية الى عثمان ، فأخرجه الى المدينة ، ثم نفاه الى الربذة . وأن الروايات الاخرى التي تشير الى اخراجه من المدينة الى الشام ، لا تعني اخراجه اليها منفيا ، بل كل ما هناك أن عثمان كان يأمره بالتعجيل في الخروج الى الشام ، كما في قوله له : « الحق بمكتبك » . راجع ص 67 .
ثم ان اقامة أبي ذر فيها ، لا تعني في خصوص دمشق ـ كما يتوهم ـ بل في المنطقة عامة ، يؤيد ذلك قول أبي ذر مخاطبا عليا عليه السلام حين كان في وداعه : « اني ثقلت على عثمان بالحجاز ، كما ثقلت على معاوية بالشام ! » (2) .
فكما أن كلمة « الحجاز » تشمل كل مدن الحجاز بما فيها المدينة ، كذلك كلمة « الشام » تشمل كل مدن الشام ، بما فيها دمشق ، وبما فيها « جبل عامل » .
ومن الواضح : أنه ( رض ) ، كان في هذه المنطقة ، تحت قبضة معاوية وسلطانه . فصح أن يقال : كان عند معاوية .
____________
1 ـ متن اللغة 4 / مادة : ع م ل / 209 .
2 ـ شرح النهج 8 / 254 .


(74)

 

تحـديـد مـدة اقـامته في الشـام

النصوص التأريخية ، لا تحدد مقدار إقامته فيها . إلا ما ورد عن كميل بن زياد رحمه الله ، قال : « كنت بالمدينة حين أمر عثمان أبا ذر باللحاق بالشام ، وكنت بها في العام المقبل حين سيَّره الى الربذة » (1) .
هذه الرواية فقط ـ اذا صحت ـ تشير الى ان اقامته فيها استغرقت سنة . أما ما عداها ، فلا يستند إلا الى التخمين والاستنتاجات الخاصة . ومع ذلك ، فان رواية كميل هذه لا يستفاد منها مجموع إقامته في الشام ، بل يستفاد منها : أن المدة ما بين أمر عثمان أبا ذر باللحاق بالشام ، وبين نفيه الى الربذة ، استغرقت سنة .
وعلى هذا ، فلا تنافي بين رواية ( الاستيعاب ) المتقدمة وهذه الرواية .
وبوسعنا القول الآن : أن اقامة ابي ذر في بلاد الشام ، في مدنها وقراها ، كانت طويلة جدا ، ربما استغرقت أربعة عشر سنة ، وأهم الشواهد على ذلك ، ما يلي :
اولا : رواية الاستيعاب المتقدمة ( ص 65 ) وهي صريحة فيما نرمي اليه ، حيث يقول فيها : « ثم خرج بعد وفاة ابي بكر الى الشام ، فلم يزل بها حتى ولي عثمان ، ثم استقدمه عثمان لشكوى معاوية . . »
والمعروف أن وفاة أبي بكر كانت في سنة 13 هـ . وفي هذه السنة ولي عمر بن الخطاب ، حتى توفي سنة 23 هـ ، وفيها بويع عثمان بن عفان (2) ، الى سنة 35 هـ ( على التقريب ) وقد نفى عثمان أبا ذر من الشام الى المدينة ، فالربذة ، في سنة 30 ـ على ما ذكره ابن الأثير ـ (3) .
____________
1 ـ الغدير 8 / 204 .
2 ـ مروج الذهب 2 / 297 / 304 .
3 ـ الكامل 3 / 113 .


(75)


فعلى هذا تكون الفترة ما بين خروج أبي ذر الى الشام ونفيه الى المدينة سبعة عشر سنة . على رواية الاستيعاب !
ثـانيـا : النصوص التي تتحدث عما أوجده أبو ذر ، ـ في اقامته تلك ـ من تغيير في ذهنية المجتمع الشامي ، وصرفه الناس اليه ، وأخذهم منه الحكم والفتيا واجتماعهم من حوله ، من جهة ، وميل المعسكر الذي كان فيه ، اليه من جهة أخرى . الى حدّ حرك في نفس معاوية الخوف من عواقب ذلك . فكتب الى عثمان يحمله اليه . واليك بعض هذه النصوص :
أ ـ قول حبيب بن مسلمة الفهري لمعاوية : « إن أبا ذر لمفسد عليكم الشام ، فتدارك أهله ، إن كان لك فيه حاجة . . »(1)
ب ـ كتب معاوية الى عثمان : « إن أبا ذر تجتمع اليه الجموع ، ولا آمن أن يفسدهم عليك ، فان كانت لك في القوم حاجة ، فاحمله اليك . . »(2)
ج ـ وكتب اليه : « إن أبا ذر قد حرف قلوب أهل الشام ، وبغضك اليهم فلا يستفتون غيره ! ولا يقضي بينهم إلا هو . . ! »(3)
د ـ « قول عثمان لأبي ذر حين طلب الرجوع الى الشام : « انما جلبتك من الشام لما قد أفسدتها ! أفأردّك اليها !؟ »(4)
ويؤيد ذلك ، كلام ابن بطال المتقدم : « كان في جيش معاوية ميل الى أبي ذر ، فأقدمه عثمان خشية الفتنة » .
____________
1 ـ شرح النهج 8 / 257 .
2 ـ مروج الذهب 2 / 340 .
3 ـ رجال بحر العلوم 2 / 152 .
4 ـ شرح النهج 8 / 260 .


(76)


إن هذه النصوص ، تزودنا بالكثير حول ( اقامته الطويلة في بلاد الشام ) . فقد كانت اقامته هذه تقضّ مضاجع الحكام آنذاك ، فقد استطاع هذا الصحابي الجليل ، أن يستقطب الاكثرية من الناس ، يعضهم ويرشدهم ، ويذكرهم بأيام الله . وينوّه بمقام أهل البيت عليهم السلام ، ومكانتهم وفضلهم ، وما ورد فيهم على لسان رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الى غير ذلك مما جلب على معاوية المتاعب ، فكتب فيه الى عثمان .
وهنا سؤال يفرض نفسه :
أترى ، كان باستطاعته أن يقوم بهذه الادوار الخطيرة ، خلال أشهر أو سنة !؟ كما يدعي أكثر الكتَّاب والمؤرخين .

فهل أن تغيير ذهنية مجتمع بكامله ، كان يتعاطف مع الامويين ، ولم يعرف غيرهم ، وتزويده بذهنية جديدة ذات طابع معيَّن ، من السهولة بمكان ؟؟ كما ربما يتصور البعض .
إن تصور هذا من البعد بمكان .
فان عملية إفساد المجتمع الشامي على معاوية ومن ولاَّه ، لا بد وأنها استغرقت سنين عديدة ، لأن تغيير المرتكزات الذهنية السائدة لدى أي مجتمع كان ، لا يمكن أن يتم في خلال أشهر معدودة .
من هنا ، ومما ذكرنا آنفا ، يسهل علينا الوصول الى الحقيقة التاريخية الهامة التي أغفلها المؤرخون القدماء ، وتكتم فيها كثيرون .
أغفلها المؤرخون ، إما إستخفافا بأهلها ، أو فرقا من الحكام الذين كانوا في زمانهم .
وتكتم فيها كثيرون ، خوفا على دمائهم وأموالهم .


(77)


هذه الحقيقة ، هي صلة التشيع في ( جبل عامل ) بأبي ذر ( رض ) . فان مما توارثه أهل هذا الجبل عن الاباء والاجداد ، أن تشيعهم لمذهب أهل البيت عليهم السلام كان على يد هذا الصحابي الجليل ، عندما كان مقيما في بلاد الشام .
وهنا يجدر بنا أن نستعرض كلمات بعض كبار الباحثين حول هذا الموضوع .
قال السيد الامين في أعيان الشيعة : « ومن المشهور ان تشيع جبل عامل كان على يد أبي ذر ، وأنه لما نفي الى الشام ، وكان يقول في دمشق ما يقول ، أخرجه معاوية الى قرى الشام ، فجعل ينشر فيها فضائل أهل البيت ( عليهم السلام ) فتشيع أهل تلك الجبال على يده . فلما علم معاوية ، أعاده الى دمشق ، ثم نفي الى المدينة . . »
ثم قال : وهذا ، وان لم يرد به خبر مسند ، لكنه قريب غير مستبعد (1) .
وذكر الشيخ الوالد مد ظله في كتابه ( جبل عامل في التأريخ ) ، كلمات لبعض كبار الباحثين حول هذا الموضوع ، وبدوري أقتطف بعضا من كلماتهم .
قال الاستاذ الشيخ أحمد رضا : « إن التشيع في بلاد الشام هو أقدم منه في كل البلاد ، غير الحجاز . وهذا من العجيب ، أن يقوم أول ركن ، وتنتشر أول دعوة للشيعة في بلاد محكومة لأعدى الناس لهم .
ثم استطرد في كلامه عن أبي ذر ، ونشره مذهب التشيع في بلاد الشام فقال : ثم كان يخرج الى الساحل ، فكان له مقام في قرية الصرفند
____________
1 ـ أعيان الشيعة 16 / 358 .


(78)


القريبة من صيدا ، ومقام آخر في قرية ميس ، المشرفة على غور الاردن ، وكلتاهما من قرى جبل عامل ، والمقامان الى الآن معروفان ، الى آخر ما قال .
ولقد عقبه الامير شكيب ارسلان ، فقال :
أما كون التشيع في جبل عامل هو أقدم منه في العجم ( ايران ) بل في كل قطر حاشا الحجاز ، فمن الحقائق التي لا خلاف فيها ، ثم استطرد عارضا ظهور التشيع في ايران ، ثم ذكر انه في العرب وبلاد الشام لم يكن ظاهرا ، وأن الشيعة كانت تستمسك بحبال التقية خوفا على أنفسهم ، ولذا تجد المؤرخين يتجانفون عن نسبة علماء الشيعة الى التشيع . . ثم ذكر حادثة جرت بين الشيخ البهائي وبعض علماء السنة في الشام ـ راجع .
وقد ذكر الاستاذ الشيخ سليمان ظاهر ما يقرب من كلام صاحبيه ، قائلا : إن قدم التشيع في هذا القطر ، ( يعني جبل عامل ) يمتد الى خلافة عثمان ( رض ) والى عهد نفي أبي ذر .
ثم عقب سماحة الشيخ مدظله ، فقال :
هؤلاء أعلام ثلاثة من ثقات أهل الاستقراء والتدقيق ، يشهدون شهادة جازمة بقدم التشيع في بلاد عاملة ، وأنه من عهد نفي أبي ذر الغفاري ، كما يشهدون بسبق تشيع الحجاز .
ثم ذكر كلمة الحر العاملي ( قدس سره ) وهو من أعظم الثقات ومن أجلاء أهل زمانه وهو أقدم من هؤلاء جميعا .
كان يقول : إن تشيعهم ( يعني العامليين ) أقدم تشيع . فقد روي أنه لما مات رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم يكن من شيعة علي ( عليه السلام ) إلا أربعة مخلصون : سلمان ، وأبو ذر ، والمقداد ، وعمَّار . ثم تبعهم جماعة قليلون إثنا عشر ،


(79)


وكانوا يزيدون ويكثرون بالتدريج حتى بلغوا ألفا وأكثر . ثم في زمن عثمان ، لما أخرج أبا ذر الى الشام ، بقي أياما ، فتشيع جماعة كثيرة ، ثم أخرجه معاوية الى القرى ، فوقع في جبل عامل ، فتشيعوا من ذلك اليوم (1) الى آخر ما ذكره .
بعد هذا العرض ، يتضح لنا أن هذا متفق عليه ، لا مكان للغموض فيه . ولكن يمكننا النقاش في عملية الطرح لهذا المضمون ، فنقول :
مما لا شك فيه ، أن أبا ذر ( رض ) هو أول من بذر هذه البذرة الطيبة في جبل عامل ( قرى الشام ) بفضل إقامته فيها . ولكن إقامته الطويلة الأمد التي استغرقت من عمره سنوات ، والتي كان مرتاحا فيها ـ على الاقل ـ بادئ الامر ، كما قدمنا ، لا منفيا . هذا أولا .
وثانيا : انه أقام أولا في قرى الشام خلال هذه المدة الطويلة . بدليل قوله « كنت في ثغر من ثغور المسلمين أغني عنهم . . » راجع ص 68 . والثغر لا يعني قلب العاصمة ، بل على العكس ، يعني حدود المنطقة التي يمكن للعدو أن ينفذ منها . ثم بعد ذلك ـ يمكننا القول ـ بأن معاوية حين خشي منه أن يفسد الناس عليه ، جلبه الى الشام ليكون تحت رقابته ، ورقابة جلاوزته . فلما رأى انه لايكف عن ذلك ، كتب فيه الى عثمان .
أما القول بأن معاوية ، نفاه الى قرى الشام أولا ، ثم جلبه اليه ، فبعيد جدا ، ولا يتلائم مع دهاء معاوية وحذره . إذ كيف يعقل أن ينفيه معاوية من الشام بسبب اثارته الناس عليه ، وهو فيها تحت قبضته وسلطانه ، الى قرى
____________
1 ـ جبل عامل في التاريخ ج 1 / 49 الى 54 .


(80)


الشام ، النائية عن العاصمة ، والتي يجد فيها أبو ذر حرية أكبر ـ بطبيعة الحال ـ ومجالا أوسع لنشر أفكاره ، بعيدا عن الرقباء والجلاوزة ؟؟

ومجمل القول :

فان نسبة التشيع في جبل عامل لأبي ذر الغفاري ( رضي الله عنه ) مما توارثه أبناء هذه المنطقة ، أباً عن جد ، وحبهم لآل البيت ( عليهم السلام ) ، واعتناقهم مذهبهم ، هما الصفة المميزة لأهل هذا الجبل . وعلى مر العصور والاعوام ، وجدنا جبل عامل ، منبتاً لفحول علماء المسلمين من أتباع مذهب أهل البيت ، عليهم السلام ، وستبقى هذه السلسلة الذهبية ، مستمرة لامعة في دنيا الاسلام ، مهما حاول المغرضون ، بترها .
وسيبقى طهر أبي ذر ( رضي الله عنه ) وشفافية نفسه الزكية ، يطيفان على أهل هذا الجبل ، بركة وخيرا ، وايمانا مستمدا من رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأهل بيته الميامين .
رحم الله أبا ذر حامل مشعل الهداية والكرامة .
رحم الله تلك الروح الزاكية التي تشبعت بحب النبي وآل النبي ، حتى فاضت ، وفاضت ، فشملت أهل هذا الجبل ( جبل عامل ) بالبركات
.

kk.gif

جبل عامل في العهدين الصليبي والمملوكي

 

بقلم الدكتور محمد مخزوم - بيروت 1979

يعتبر تاريخ منطقة جبل عامل منذ القرن العاشر الى عهدنا الحاضر فترة عنيدة في النضال ضد كل الحركات الاستيطان التي باشرها الاوروبيون تارة في الحركة الصليبية المسلحة وتارة اخرى في حركة التبشير المسالمة في ظاهرها، بعد ان تحطمت قوتهم العسكرية. كما برزت حركة النضال هذه اشد فعالية في مقاومة حركة التتريك التي لبست ثوب الدين واتخذت شعار "اخوة العقيدة الدينية" سلاحاً لها في كتب الشعور القومي. ثم ضد الاستعمار بجميع اشكاله سواء المباشر او غير المباشر طيلة العصور الحديثة. وان ما نشهده اليوم في منطقة جبل عامل لهو أعظم شاهد على تراث هذه المنطقة النضالي.

وعلى الرغم من كثرة الدراسات التي ظهرت عن منطقة جبل عامل حتى الان بين ثنايا مصادر التاريخ المختلفة في العهدين الصليبي والمملوكي، الا انه من الضروري جداً، اسوة ببقية المناطق اللبنانية، أخصها جبل لبنان، ان يكتب تاريخ هذه المنطقة بالشروط الموضوعية التي تنطبق على ركائز البحث التاريخي الحديث.

ولما كنا كثيراً ما نطالع في كتب التاريخ –التي سجلت احداث هذه المنطقة بالذات- تعبيران مثل: ليس من المؤكد، وعلى الارجح، ومن المحتمل، والله أعلم... فاننا سنحاول وبقدر ما تسمح لنا المراجع المتوفرة أن نتحاشى –بقدر الامكان في صناعة تاريخ هذه المنطقة- الروايات والاخبار التي لا تتفق ومنهج البحث التاريخي.

ان عملية التطور التاريخي التي شهدتها هذه المنطقة بالانتقال من الحكم الصليبي الى الحكم المماليكي تمثل مرحلتين متمايزتين تمام التمايز: من حضارة اقطاعية خالصة ذات اقتصاد عيني الى حضارة اقطاعية (التزامية) يخضع حق استغلال الارض فيها للاقطاعي، مع بعض الاستثناءات، لتأدية الخدمة العسكرية.

 

     1-   الاطار التاريخي

دخلت جيوش الصليبية لبنان من شماله، اواخر القرن الحادي عشر للميلاد، وسارت على طول الساحل اللبناني حتى مدينة صيدا، (بوابة جبل عامل) التي امتنع اهلها عن التفاوض معهم على الرغم من تهديد الصليبيين باتلاف الزرع وتخريب البساتين. ولما سقطت القدس اصبح لا بد أمام الصليبيين من السيطرة على الساحل اللبناني، لضمان وصول النجدات من أوروبا. فهاجموا مدنه وقراه حيث سقطت بأيديهم على التوالي كل من جبيل، طرابلس ثم بيروت.

أما منطقة جبل عامل فقد امتنعت على الصليبيين وذلك لوصول النجدات اليها من البر بواسطة السلاجقة، ومن البحر بواسطة الفاطميين. لذا صمم الصليبيون على فتحها للضرورات التالية:

اولاً : انها تشكل الظهير العسكري لمدينة صور التي تصلها الامدادات من دمشق.

ثانياً : انها غنية بالموارد الزراعية التي تفتقر اليها مملكة بيت المقدس.

ثالثاً : انها معبر للقوافل التجارية حيث تربط منطقة دمشق بميناء صور.

رابعاً : انها تتحكم عسكرياً في الممرات الشمالية لامارة الجليل التي تعتبر من الامارات الصليبية المهمة.

 

وهكذا بدأ التغلغل العسكري الصليبي ينتشر في منطقة جبل عامل تدريجياً على اثر استقرار الصليبيين في بيت المقدس ووصول النجدات المتتالية اليهم عن طريق البحر. فأقاموا القلاع والحصون الكثيرة التي كان من اشهرها قلعة تبنين (Tyron) وقلعة الشقيف أرنون، وقلعة الاسكندرونة، وحصن تل المعشوق لتشديد الحصار على مدينة صور آخر ما ملكه الصليبيون على الساحل اللبناني.

هذه الاحداث تضعنا امام الحقيقة التالية وهي : ان تمسك الصليبيين بفكرة التوسع باتجاه منطقة جبل عامل، جعل حكام دمشق والقاهرة من السلاجقة والفاطميين والمماليك فيما بعد بحكم ما بين هذه المنطقة وغيرها من الروابط القومية والعقدية، يحاولون على مدى قرنين من الزمن استعادتها بقدر ما كانوا يجاهدون في الوقت نفسه لاستعادة بقية الاراضي العربية التي أقام عليها الصليبيون مملكتهم واماراتهم.

استمر الصليبيون يسيطرون على منطقة جبل عامل بواسطة جاليات عسكرية اقاموها في المدن والقلاع والحصون المنتشرة في جميع انحاء المنطقة. ولم تكن مناوشات السلاجقة للصليبيين لتعيق هذا الاحتلال حتى عهد نورالدين –الذي رفع من دمشق شعار المقاومة- الذي كان يعتبر من أهم المرتكزات الاساسية لاضفاء الشرعية على اية سلطة تستولي على الحكم في المناطق الاسلامية.

وأدت حروب نورالدين للصليبيين، بالاضافة الى ما كانت تحمله اماراتهم بين طياتها من عوامل التفسخ والانهيار، الى انهاك قواهم العسكرية، واعاقة توغلهم التجاري في المناطق الاسلامية، الامر الذي جعل المدن التجارية –صاحبة الفضل الاول في السيطرة-  تحجم عن تقديم المساعدات لهم.

وامام التكتل الاسلامي العربي الذي فرضه صلاح الدين، بدأ التراجع العسكري الصليبي في المنطقة يأخذ الطابع الجدي. فكانت "معركة حطين" أهم فاصل في تاريخ المنطقة، اذ سيطر صلاح الدين على اثرها على قلعة "تبنين" وصيدا والمناطق المحيطة بصور. كما هزم الصليبيين في معركة "تل القاضي" في مرجعيون.

وبينما تذكر بعض المصادر المعاصرة ومنها "ابن القلانسي" ان نورالدين هزم الصليبيين ومعهم بعض المسلمين في جبل عامل قرب بانياس، نرى العامليين يساندون صلاح الدين في حروبه. وتفسير ذلك انه ليس من المستغرب ان يضم جيش الصليبيين بعض المسلمين، لان النظام الاقطاعي الذي كان سائداً كان يعتمد على تأدية خدمة عسكرية سنوية يؤديها التابع للمتبوع بحسب التشريعات والاعراف الاقطاعية.

ومع ان القوة الصليبية استرجعت بعض ما فقدته من مناطق في عهد خلفاء صلاح الدين، فان بروز القوة العسكرية المملوكية منذ بداية النصف الثاني للقرن الثالث عشر، كانت عاملاً حاسماً في اجلاء الصليبيين عن المنطقة برمتها. اذ لم تكد سنة 1291 تنتهي حتى اصبح لبنان –بما فيه منطقة جبل عامل- تحت الحكم المملوكي الذي استمر حتى سنة 1516 ميلادية عندما حل العثمانيون محل المماليك.

والعامليون خضعوا خلال الفترة –بين القرن العاشر والسادس عشر للميلاد- لعدة نظم مختلفة، نحدد هويتها العامة على الشكل التالي:

 

2-   النظم الاجتماعية والسياسية

 

1-   في العهدين السلجوقي والايوبي

امتدت دولة السلاجقة بشكل بات معه من المستحيل السيطرة على اطرافها. فوزعت الاراضي بين الامراء والقادة العسكريين بشكل اقطاعات لهم، فيها حق الاستغلال والحكم والولاية. ومنعاً من تحلل هؤلاء من السلطة المركزية، جعل "نظام الملك" اقطاع الشخص الواحد في عدة امكنة متباعدة، كما حصر توليته بحق الاستغلال دون التوريث، وقرر عليهم التزامات عسكرية ومالية معينة. وقد استمر النظام الاقطاعي في عهد الدولة الايوبية على الشكل الذي قرره السلاجقة من قبل. اذ كان مورد الدولة الاساسي هو الاقطاع الحربي، وقد ادخل صلاح الدين على هذا النظام ما يسمى بالبدل، اي ان يدفع الفلاح –اذا اراد ذلك- كميات من الشعير او الفول بدلاً من القمح مثلاً.

 

2-   العهد الصليبي :

لقد حمل الاستعمار الفرنجي معه الى منطقة الشرق نظمه الاقطاعية التي كانت سائدة في اوروبا. واتخذت منطقة جبل عامل من بين جميع المناطق اللبنانية في هذا العهد طابعاً خاصاً بها. اذ كانت سيطرة الصليبيين ولمرحلة طويلة على المنطقة كلها، كما كانت تعتبر من المناطق التي يجب على الافرنج، حفاظاً على بقائهم، التمسك بها لكونها تمد مملكة بيت المقدس بالغلال وتشكل مع امارة الجليل سوراً حديدياً لها.

ولما كان امتلاك الصليبيين للارض قد نشأ عنه بالضرورة امتلاكهم للسلطة، فقد نشأ امتزاج بين الارض والسلطان في منطقة جبل عامل، جعل المجتمع يدين بدورته الاقتصادية للنظام الاقطاعي. مما أدى الى خلق تراتبية اجتماعية يقف فيها السيد الاقطاعي على رأس الهرم، يليه اسياد المناطق الصغيرة التابعة له، ثم الطبقة الواسعة من الناس المرتبطة بمالكي الارض بحكم علاقاتهم الاقتصادية التي رسختها العلاقات الحقوقية الموضوعة من قبل الاقطاعيين انفسهم. وهكذا اصبح بحكم هذا النظام سكان جبل عامل أقناناً عند هؤلاء يقدمون الولاء والاخلاص والتموين أيام السلم والحرب، وهو ما يفسر وقوف بعضهم الى جانب الصليبيين في بعض المعارك.

والاقنان شكلوا في السلم الاقطاعي أدنى الطبقات الاجتماعية في المجتمع العاملي. فالقن فلاح قروي يعيش على قطعة من الارض يقدمها له الاقطاعي، على ان تتناسب مساحتها مع مقدار أعبائه الاقطاعية، وهو لا يتمتع بأي حق مدني على سيده، وان كان القانون من الناحية النظرية يعتبره حراً. فمصيره مرتبط بتعسف الاقطاعي واستبداديته، لكون العلاقة بينهما مزدوجة من جهة وسيدية من جهة ثانية. وقد تمير قن جبل عامل –نظراً لعدم رسوخ الاحتلال بالقدر الذي يسمح للاقطاعي بمراقبة أقنانه مراقبة فعلية- بتكوين استثمارات لنفسه وبناء أسرة خاصة به. كما كان القن يمتلك ادوات العمل الزراعي الى جانب الحيوانات والطيور والبذار والعلف والمسكن والابنية الزراعية، ووسائل النقل، والادوات المنزلية.

والفلاح العاملي ارتبط بأرضه ارتباطاً وثيقاً فلم يكن يسمح له بترك ارضه الا نادراً، لئلا تتعرض المناطق التي يسيطر عليها الصليبيون الى خلل سكاني، في الوقت الذي كان يمتهن فيه الصليبيون الفروسية والحرب، فكان من الممكن مصادرة أرض الفلاح وطرده منها. الا انه كان مصدر الاستثمار الاقطاعي الوحيد في المجتمع الحربي الى جانب التجارة، لذلك كان يتم الصاقه بالارض بدلاً من تجريده منها.

اما عن استثمار الصليبيين الاسياد للفلاحين، وان اختلف من مكان الى آخر، فقد اتخذ عدة اشكال كان من أهمها:

اعمال السخرة : التي يقوم بها الفلاحون بالعمل في الارض الزراعية للسيد. (الحراثة والبذر وجمع المحاصيل) بالاضافة الى قيامهم بأعمال حرفية مختلفة كشق الطرق وحفر الخنادق واصلاح الجسور واقامة السدود وتشييد القصور والحصون. وكان الفلاح مرغماً ايضاً على دفع مقررات تشمل المكوس على التجار، والضرائب المختلفة، كضريبة الرأس (رمزاً للعبودية) وضريبة العشر على الانتاج. وهنا يذكر "ابن جبير" ان الصليبيين كانوا يأخذون من سكان جبل عامل الذين يقطنون بين "تبنين" و"عكا" نصف الغلة عند اوان ضمها، وجزية على كل رأس ديناراً وخمسة قراريط ولهم على ثمر الشجر ضريبة خفيفة ايضاً.

اما الاحتكارات فقد كانت متنوعة ايضاً وتشمل: (الطاحونة والمعصرة والفرن) بالاضافة الى ما كان يفرض على الفلاح من "الحلوان" عند انتقال حق حيازة الارض من فرد الى آخر.

وللدلالة على مدى استغلال الصليبيين للمناطق التي سيطروا عليها ما ذكره "فوشيه شارتر" (Foucher de charter) احد مؤرخي الحروب الصليبية المعاصرين لها, فقال: ما معناه "ان الغربيين قد تحولوا الى سكان شرقيين.. فالفرنسيون والايطاليون ليسوا الان سوى مواطنين فلسطينيين وان ابن مدينة الريمس او مدينة شارتر قد تحول الى صوري او انطاكي. لقد نسي الفرنجة اصلهم، بحيث اصبح الواحد منهم يمتلك بيتاً وعائلة ويتكلم لغة البلاد. ومن كان هناك فقيراً اصبح هنا يتمتع ببحبوحة العيش، ومن لم يكن يملك في اوروبا حتى ضيعة صغيرة اصبح هنا سيداً لمدينة بأكملها. فلماذا نرجع اذن الى الغرب طالما الشرق يحقق رغباتنا؟".

 

3-   العصر المماليكي

استفاد المماليك من تجربة الايوبيين والصليبيين فربطوا اقطاع الارض بالتنظيم العسكري واعتبروا الارض ملكاً للسلطان وجنوده. وكانت اهمية الاقطاعية توازي أهمية الرتب العسكرية. بل ان أهمية الفرد في العهد المملوكي كانت تختلف بحسب الطبقة التي ينتمي اليها، كما ان العلاقة بين الطبقات نفسها كانت تختلف باختلاف وضعها في السلم الاقطاعي. وعلى هذا الاساس شكلت منطقة جبل عامل جزءاً من هذا التنظيم الذي فصله "القلقشندي" من حيث الالقاب والملابس وانواع الوظائف. أما "المقريزي" فقد جعل المجتمع المملوكي سبعة أقسام:

     - أهل الدولة

     - أهل اليسار من التجار

     - أولو النعمة من ذوي الرفاهية

     - الباعة

     - أهل الفلاحة والحراثة وسكان القرى والريف.

     - الفقراء (من الفقهاء وطلاب العلم والجنود والاجراء وأصحاب المهن)

     - ذوو الحاجة

بعد جلاء الصليبيين شعرت العائلات الارستقراطية –ومنها شيعة كسروان، مالكة الارض، امام التقسيم الجديد للارض والسلطة- ان مصالحها مهددة ببروز قوة المماليك الذي ارادوا مركزة السلطة وحصرها بين ايديهم، فاعتبروا ان لبنان وسورية وفلسطين قسم لا يتجزأ من دولتهم، وامام تمسك الكسروانيين بسلطتهم، واستغلال التنوخيين لهذا النزاع ليوسعوا اقطاعهم على حساب الشيعة، خرج احد قواد المماليك من دمشق بجيش عظيم وضرب ضياعهم واقطع كرومهم ومزقهم بعدما قاتلهم احد عشر يوماً وملك الجبل عنوة، ووضع فيهم السيف، وأسر ستمائة رجل، وغنم العسكر منهم مالاً عظيماً، فهاجر الشيعة على اثرها الى مناطق جنوب لبنان وخاصة منطقة "جزين" منه. وازاء فشل جميع الحركات الدينية التي قامت في منطقة جبل عامل ضد المماليك استغل "بنو بشارة" موالاتهم للماليك الذين اقطعوهم منطقة جبل عامل. ولم ينته دور هذه العائلة الاقطاعية حتى اوائل القرن السادس عشر، عندما قضي عليها امراء البقاع من "آل الحنش".

 

4-   العلاقات الاجتماعية والثقافية في جبل عامل في العهد الصليبي

تعتبر دعوة "بابوية" القرون الوسطى لتخليص بيت المقدس من المسلمين في جوهرها دعوة دينية. فالعامة تقبلتها اثر االروايات المتواترة عن اضطهاد المسيحيين الحجاج وتخريب كنيسة القيامة. ومع ذلك طغت النوازع الدينوية في هذه الحروب على النوازع الدينية، حيث ان غالبية الصليبيين –من ملوك وقادة وبتشجيع من الجمهوريات الايطالية التجارية- اشتركوا في هذا الغزو، بغية تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية في الشرق العربي.

ولهذا، فالحملة الصليبية الرابعة بدل ان تتجه نحو القدس لتخليصها من الايوبيين جنحت نحو القسطنطينية واستولت عليها، ونهب الصليبيون كنائسها وأديرتها.

وفي الواقع، ان ما قيل عن اضطهاد السلاجقة للمسيحيين لا يدخل ضمن خطة عامة ومرسومة بقدر ما يشير الى بعض الحوادث الفردية التي تعرض فيها الحجاج المسيحيون لاعمال السلب والنهب. وبطريرك القدس في هذه الاونة يذكر في احدى رسائله "ان المسلمين قوم عادلون ونحن لا نلقى منهم أي أذى او تعنت".

فعلى الرغم من الصبغة الدينية التي اتسمت بها هذه الحرب، وعلى الرغم من انحياز بعض نصارى لبنان الى جانب الصليبيين، فالتاريخ الاجتماعي يرفض اعتبارها انقساماً دينياً او حرباً طائفية. لان السبب الحقيقي لوقوف هؤلاء النصارى الى جانب الصليبيين يرجع في اساسه الى عاملين أثنين:

اولاً : ان نمط الانتاج الاقتصادي في ذلك الوقت كان يتخذ شكلاً اقطاعياً. ولهذا كان من مصلحة اسياد لبنان من المسيحيين، بما لكلمة السيد من مدلول اقطاعي، ان يجبروا اتباعهم على الوقوف الى جانب الفاتحين الجدد الذين عملوا على تغريرهم طمعاً في كسب اراض جديدة يضمونها الى اقطاعاتهم على حساب ولاة حكام الدولتين الفاطمية والسلجوقية.

ثانياً : ان جوهر العلاقات الاجتماعية التي كانت سائدة في مجتمعات العصور الوسطى هي الرابطة الدينية، لان المعنى الحقيقي للقومية لم يكن واضحاً في هذا الوقت بقدر وضوح الولاء الديني. ولهذا اطلق على هذه العصور تسمية "عصور الايمان الديني".

ولكن ما ان اصبح الصليبيون اسياد البلاد حتى اخذوا بمعاملة المسيحيين والمسلميين على السواء وكأنهم اتباع (نصف عبيد) مما أدى الى قيامهم بعدة انتفاضات (باعتراف مؤرخ الصليبيين وليم الصوري) بمساعدة المسلمين، مسجلين بذلك صفحة ناصعة في تاريخ العلاقات الاجتماعية بين اللبنانيين جميعهم.

ولكن سرعان ما كانت العلاقات تستقر بين الطرفين نتيجة لضرورة التعامل التجاري والحوافز الاقتصادية التي كانت تربطهما. وابن جبير الذي زار لبنان في هذه الفترة يخبرنا بذلك: "من العجب ان النصارى المجاورين لجبل عامل اذا رأوا به بعض المنقطعين من المسلمين جلبوا لهم القوت واحسنوا اليهم، ويقولون هؤلاء ممن انقطع الى الله عز وجل فتجب مشاركتهم".

اما في وصفه لحالة سكان جبل عامل في تلك الفترة فيذكر قائلاً: "رحلنا من تبنين، دمرها الله، (اشارة الى انها بأيدي الافرنج) وطريقنا كله على ضياع متصلة وعمائر منتظمة، سكانها كلهم مسلمون، وهم من الافرنج على حالة ترفيه، نعوذ بالله من الفتنة". ولا أدل على الحياة الاجتماعية المشتركة التي عاشها المسلمون والنصارى في مدينة صور من وصف ابن جبير ايضاً لعرس أفرنجي يشترك فيه كلا الطرفين:

"خرجت (العروس) تتهادى بين رجلين يمسكانها من يمين وشمال.. وهي في أبهى زي، وآخر لباس، تسحب أذيال الحرير المذهب سحباً على الهيئة المعهودة من لباسهم، وعلى رأسها وهي رافلة في حليها وحللها تمشي فترا في فتر مشي الحمامة او سير الغمامة، نعوذ بالله من فتنة المناظر، والمسلمون وسائر النصارى من النظار قد عادوا في طريقهم يتطلعون فيهم ولا ينكرون عليهم ذلك".

ولما كان المجتع الصليبي في منطقة جبل عامل يتشكل باسره من العساكر والتجار، فلم يكن في الواقع صالحاً لان يخلق او يقيم مستوى فكرياً رفيعاً. لهذا كان أثر الصليبيين الحضاري في هذه المنطقة ضعيفاً جداً اقتصر على العلاقات الاقتصادية وعلى ما يترتب بين السيد وفلاحيه من علاقات محدودة ضمن اطار ما تمليه المصلحة الحربية. و"اسامة بن منقذ" صاحب "كتاب الاعتبار" الذي كان يعايش الافرنج في تلك الحقبة يروي لنا في باب طبائعهم واخلاقهم قائلاً: "سبحان الخالق الباريء اذا خبر الانسان امور الافرنج سبح الله تعالى وقدسه ورأى بهائم فيهم فضيلة الشجاعة والقتال لا غير، كما في البهائم فضيلة القوة". كما يذكر لنا ايضاً عن عجائب طبعهم ومحاكماتهم وغرائب عاداتهم وتقاليدهم ما يتنافى مع عادات وتقاليد العرب. وتحت عنوان ليس للافرنج غيرة جنسية يذكر: "وليس عندهم شيء من النخوة والغيرة، يكون الرجل منهم يمشي هو وامرأته يلقاه رجل آخر يأخذ المرأة ويعتزل بها ويتحدث معها، والزوج واقف ناحية ينتظر فراغها من الحديث، فاذا طولت عليه خلاها مع المتحدث ومضى."

ومع ذلك فان الصليبيين الذين تبلدوا ومضى عليهم وقت طويل قد تاثروا بعادات وتقاليد وثقافة المناطق التي حلوا بها في اللباس والمآكل ومجالس الشرب واللهو واطلاق اللحى وحجب النساء وتعلم اللغة. فكان "همفري الرابع" سيد تبنين على دراسة تامة باللغة العربية، كما كان رينالد (Raynald) سيد صيدا مهتم بالعلم الاسلامي، اما وليم الصوري، الذي يعتبر من أعظم مؤرخي العصور الوسطى وقد ولد في لبنان فانه كان يتقن اللغة العربية الفصحى.

اما العامليون فانهم –رفضوا كغيرهم من العرب- الاخذ بعادات وتقاليد الافرنج، لكونها تتنافى وروح الاسلام بمفهومهم، فمن يتقن لغة القرآن يرى حطة على نفسه ان يتعلم لغة (الكفار).

اما عن التمازج العرقي بين الوطنيين والافرنج، فقد حدث خلال الحروب الصليبية –نتيجة للغزو والسبي وبيع الرقيق- ظهور جيل هجين اطلق عليه اسم (Poulain) تحول فيما بعد الى مذهب المنطقة التي وجد فيها. ففي الشمال اعتنقوا مذهب الموارنة، وفي بلاد العلوية اعتنقوا مذهب النصيرية، وفي الجنوب اعتنقوا مذهب الشيعة، وما زالت سحنتهم الاوروبية ظاهرة الى اليوم في بعض مناطقه. كما ان بعض هذه العائلات ما زالت تحتفظ بأسماء لاتينية أمثال عائلة الصليبي، وبروديل (Baldwin) وفرنجية والدويهي (De Douhai) ودوريان حمله وطربيه (Torby) وغيرها.

 

5-   الحياة الاقتصادية

كان الطابع العام الغالب على الحياة الاقتصادية في منطقة جبل عامل قبل مجيء الصليبيين، هو الطابع الزراعي الرعوي، الا ان ازدهار عملية التبادل التجاري في عهد الصليبيين والمماليك فيما بعد جعل مدن هذه المنطقة تجنح الى التخصص في بعض الصناعات. فاشتهرت صور بصناعة السكر والزجاج والنسيج. والادريسي الرحالة عام 1154 يذكرها في رحلته قائلاً:

"وفي صور يصنع أفخر الزجاج والخزف، ويصنعون ايضاً نوعاً من القماش الابيض لا يعادله قماش آخر من حيث النوع وجودة الصنع ويصدرونه الى جميع البلدان، ولا يصنع قماش يضاهيه من حيث جودته في اي من الاقطار الاخرى". كما ان المصادر الاوروبية اجمعت على ان مدن جبل عامل عرفت ايام الصليبيين صناعة الخزف والزجاج والحلي والنسيج على انواعه وخاصة مدينة صور التي ازدهرت فيها صناعة الزجاج والخزف. حتى انه وجد فيها اكبر مضرب للعملة حيث كانت النقود تصك كالدينار الفاطمي، يحمل شعاراً نصرانياً عرف عند تجار البندقية "بالدينار الصوري".

والحروب الصليبية كانت من العوامل المهمة التي ساعدت على تنشيط التجارة في العصور الوسطى. ومثلت المدن الايطالية الناشطة تجارياً، المحتكر الوحيد للتجارة بين الشرق والغرب. فلقاء نقل الصليبيين والاشتراك الفعلي في الحروب البحرية ضد المسلمين، امتلكت هذه الجمهوريات المدن والمرافىء العديدة في الحوض الشرقي للمتوسط. فكان لكل جمهورية تجارية في كل مدينة يسيطر عليها الصليبيون حي خاص بها، يحتوي على سوق تجاري وكنيسة وقلعة وقنصلية ومأوى للتجار. وكان من بين هذه الموانىء ميناء صور الذي يعتبر من الموانيء المهمة التي تصل اليه بضائع الشرق من الهند والهند الصينية والصين، لتشحن بعدها نحو أوروبا. كما كان لجغرافية المنطقة أثر هام في ازدهار التجارة فيها. فكان يشقها طرق عديدة بمثابة شرايين حيوية لها. ومن هذه الطرق التجارية التي كانت معروفة والتي اكسبت المنطقة اتصالا حضارياً غير منقطع مع شعوب المنطقة العربية.

      - طريق من صفد تمر عبر ميس وهونين. ومن هونين تهبط الطريق لتلاقي طريقاً آخر، يمر بالوديان، وهي التي مر بها ابن جبير وهو في طريقه الى بانياس الى الساحل، ويسمى الوادي بين هونين وتبنين بوادي الاسطبل. ومنه تعبر القوافل نحو حصن تبنين (موضع تمكيس القوافل) لتكمل طريقها باتجاه عكا او صور، كما وجدت اثار طريق معبدة تسلكها العربات بين صور وبانياس، ما زالت اثارها باقية الى اليوم.

      -  طريق القوافل التي تسير عبر ساحل فلسطين حتى تصل الى الناقورة وتتابع شمالاً على طول الساحل حتى تصل الى الزهراني.

     - اما من صور الى صفد فقد وجد في عهد المماليك طريقان يؤلفان طريقاً واحداً حتى قانا. ومن قانا تتفرع الطريق فتذهب احداها الى صديقين، ياطر، دبل، وادي رميش، كفربرعم، صفصاف ثم صفد. اما الاخرى فتذهب من قانا الى تبنين، كونين، بنت جبيل، يارون حتى صفد.

     - اما الطريق من صور الى دمشق، فكانت تمر عبر قبريخا، رب ثلاثين، ابل، فبانياس فدمشق.

 

6-   الحياة العمرانية

منذ اللحظة التي استطاع فيها الصليبيون ان يضعوا اقدامهم على ارض معادية لهم حاولوا ان يقيموا لهم مراكز دفاعية وهجومية في الوقت نفسه، وهو تأكيد ثابت على رفض العامليين للاحتلال. وهكذا كانت سلسلة الحصون والابراج التي اقاموها على طول الساحل الجنوبي الممتد من عكا الى صيدا. كما اقاموا سلسلة اخرى من هذه الحصون في داخل منطقة جبل عامل امنع وأضخم مما انشأوه على الساحل.

هذه القلاع والحصون الساحلية منها والداخلية لعبت دوراً حضارياً مهماً لكونها كانت مراكز التقاء للتفاعل الحضاري الذي كان يتم بين وقت وآخر بين السكان الوطنيين من جهة ووفود الافرنج المتعددة والمتغيرة على الدوام من جهة ثانية ومن هذه القلاع الصليبية كانت:

   1- قلعة تبنين (Tyron) التي اقيمت لتقطع الطريق عن المساعدات التي تأتي من دمشق الى صور عبر هذه المنطقة.

    2-   قلعة الشقيف أرنون، وقد أقيمت لتتتحكم في ممرات الليطاني ولتكون مرصداً لتحركات المسلمين في جهات سفوح جبل حرمون وجوار صفد وبانياس.

     3-   قلعة هونين : وهي مشرفة على الحولة

     4-   قلعة شمع : وهي مشرفة على سهول صور

     5-   قلعة مارون : وتقع قرب بلدة ديركيفا

هذا بالاضافة الى ما تركه الصليبيون من الكنائس، ككنيسة القديس مرقص في صور وغيرها مما أقيم في صيدا وداخل القلاع التي انشأوها.

وهناك أثار صليبية كثيرة في منطقة جبل عامل لم يكشف عنها حتى اليوم. وهي منتشرة في بنت جبيل وبرعشيت وميس الجبل ومنطقة التل في مرجعيون...

هذه القلاع والابراج لم ينج اكثرها من التهديم والتخريب عندما طرد الصليبيون من منطقة جبل عامل وذلك خوفاً من عودتهم اليها مرة ثانية. ورغم ذلك فقد بقي بعضها كمراكز عسكرية مهمة استغلت في عهد المماليك والعثمانيين فيما بعد.

 

6-   الصليبيات الجديدة

لقد سقط الدور الاول للحركة الاستعمارية الصليبية بطرد الصليبيين نهائياً من بلاد الشام، ليبدأ فصل ثالث من فصول الحركة الاستعمارية، استمر طيلة القرنين الرابع عشر والخامس عشر آخذاً بعين الاعتبار التطورات الاجتماعية والاقتصادية الجديدة التي استجدت في كل من اوروبا ومنطقة الشرق الادنى.

فبينما كانت البابوية حجر الرحى في صليبية القرن الحادي عشر للميلاد، نرى هنا دور الملوك والاباطرة يقفز الى الصف الاول بسبب ازدياد الشعور القومي، وبروز الحركة البرجوازية التجارية النامية على حساب الاقطاع، ثم الاتجاه نحو اعلاء المصلحة القومية على حساب الدين.

ومن المشاريع التي وضعت لتحقيق، صليبية جديدة، المشروع الذي تقدم به ريمون لول (Raymond Lulle) سنة 1305 وكان ريمون يتقن اللغة العربية وعلى معرفة تامة بأحوال الشرق. ويتلخص مشروعه بالعمل على كسب المسلمين والمسيحيين الشرقيين عن طريق التبشير. على ان يقوم ملك اوروبي بحملة عسكرية تشترك فيها بقايا المؤسسات الصليبية العسكرية (الداوية، والاستبارية، والتيوتون). وفعلاً انتشرت الاديرة في كل من سورية ولبنان وفلسطين. فكان يبلغ عددها في منتصف القرن الثالث عشر نحو ثمانية عشر ديراً، تتحمل عبئها منظمتان ارهابيتان هما الدومينكان والفرنسيسكان، كما اقر مجمع فيّينا في فرسنا عام 1311 إنشاء ست مدارس لتعليم اللغات الشرقية من بينها اللغة العربية تيسيراً لغاية التبشير.

اما المشروع الاخر الذي تقدم به احد المبشرين ويسمى بركارد فقد أوصى في تقريره الذي قدمه لملك فرنسا (فيليب السادس) بعدم الثقة بالمسيحيين الذي ولدوا نتيجة اختلاط الصليبيين الغربيين بالمسيحيين الشرقيين.

والمشروع الثالث الذي تقدم به مارينو سانودو (Sanudo) فينص على ان احتلال الشرق الادنى يجب ان يسبقه اضعاف دولة المماليك اقتصادياً في المرحلة الاولى، ثم يأتي احتلال مصر لتسهيل عملية الاستيلاء على الاراضي المقدسة في الشام.

اما بابوية القرن الرابع عشر فلم تكن لتقف مكتوفة الايدي امام طرد الصليبيين من الشرق، ذلك ان هيبتها في أوروبا اخذت تتدنى امام قوة الملوك واتجاهات النهضة الحديثة التي اخذت تنمو في اوروبا في هذا القرن. لذلك فقد بدأت تصدر قرارات التحريم ضد الجمهوريات التجارية التي تتعامل مع دولة المماليك، وخاصة التي يصدر الرقيق عنها، مصدر الدولة البشري، او الاخشاب والحديد، والمادتان الاساسيتان في صناعة السفن الحربية. ومع ذلك فان الجمهوريات التجارية رفضت تنفيذ الاوامر البابوية حرصاً على مصالحها الاقتصادية مما مهد ظهور قبرص التي غدت أهم المعاقل الصليبية بعد جلاء الصليبيين عن عكا. فأخذت تقوم بدور بازر في النشاط الصليبي في شرق البحر المتوسط، وشرع ملوكها يهاجمون موانىء مصر والشام، ويغيرون على السفن التجارية التي تحمل البضائع للمماليك، ففتحت صفحة جديدة في تاريخ الصليبية. ولم ينته دور هذه الجزيرة الا بعد ان استولى المماليك عليها سنة 1426م.

وهكذا، تعددت وجوه الصليبية وهي في جوهرها ذات وجه واحد هو السيطرة الاستعمارية على هذه المنطقة. ولم يكن الجنرال غورو في الحرب العالمية الاولى سوى المعبّر عن حلم الصليبية الجديدة عندما وقف امام ضريح صلاح الدين في دمشق حين قال: "ها قد عدنا يا صلاح الدين". وما الاطماع الصهيونية في المنقطة العربية اليوم سوى موجة من موجات الصليبية الجديدة.

وعلى الرغم مما تحفل به هذه الموجة من عناصر الاقتحام وما تتمتح به من قدرات قتالية لم يسبق ان عرفتها الغزوات جميعا في الماضي القريب والبعيد، على الرغم من ذلك، فان هذه الموجة الجديدة تصطدم اليوم بمقاومة اشد مراساً وأكثر تصميماً على احراز النصر ولعله النصر الذي سيضع حداً نهائياً لتاريخ الغزو والقرصنة في العالم.

 

بعض المصادر والمراجع

 

     - ابراهيم طرخان : النظم الاقطاعية في الشرق الاوسط في العصور الوسطى. دار الكاتب العربي – القاهرة 1968

     - ابن اياس : بدائع الزهور في وقائع الدهور. القاهرة 1961

     -  ابن القلانسي : ذيل تاريخ دمشق. بيروت 1908

     - ابن جبير : الرحلة. دار التراث بيروت 1968

     - اسامة بن منقذ : الاعتبار ، حرره فيليب حتى بريتون 1930 مكتبة المثنى، بغداد

     - المقريزي : الخطط. مكتبة المثنى – بغداد

   - بولياك : الاقطاعية في مصر وسورية وفلسطين ولبنان. ترجمة عاطف كرم، منشورات دار المكشوف1948

     - زكي النقاش : العلاقات بين العرب والافرنج خلال الحروب الصليبية. دار الكتاب اللبناني 1958

     - سعيد عاشور : مصر والشام في عصر الايوبيين والمماليك. دار النهضة العربية: بيروت1972

     - سعيد عاشور : الحركة الصليبية – جزءان. مكتبة الانجلو المصرية 1963

    - ستيف رنسيمان : تاريخ الحروب الصليبية 3 أجزاء ترجمة السيد الباز العريني. دار الثقافة. بيروت 1967

     - صالح بن يحي : تاريخ بيروت . دار المشرق 1967

     - فؤاد قازان

     - فيليب حتي : لبنان في التاريخ . دار الثقافة. بيروت 1959

     - كمال الصليبي : منطلق تاريخ لبنان. توزيع مكتبة رأس بيروت1979

     - محسن الامين : خطط جبل عامل. تحقيق حسن الامين الجزء الاول مطبعة الانصاف1961

     - محمد علي مكي : لبنان من الفتح العربي الى الفتح العثماني. دار النهار للنشر1977

     - محمد كرد علي : خطط الشام -6 أجزاء الطبعة الثانية- دار العلم للملايين1969

 

-Brehier. L. les croisades 6e ed. Paris 1928

- Dodo, Histoire des institutions du royaume latin de Jerusalem these paris 1894

- Grousset, R. Histoire des croisades, 3 vol paris1936

- Heyd, Histoire du commerce du levant, 2 vol. paris 1885

- Pernoud, R. les croises. Paris 1959

- Revue de L’orient Chretien Paris (1896 – 1914)

- Revue de L’orient Latin. Paris (1891 – 1902)

- Revue francaise d’histoire d’outre – mer. Paris 1945

- Revue Historique Paris 1876

- REY , les colonies franque de syrie aux xll et xlll siecile. Paris1883

- Perrier. Ferdinand. La syrie sous le gouvernemen de mehemet ali. Paris 1842 P234

- Volney. Voyage en Egypte et en syrie pendant les annees 1783 – 1784 et 1785. T2 P17.

 

kk.gif

جبل عامل في عهد الإمارتين المعنية والشهابية (1516 - 1842)

 

بقلم العقيد الدكتور ياسين سويد - بيروت 1979

عندما طلب إليّ المجلس الثقافي للبنان الجنوبي أن أتحدث عن "جبل عامل في عهد الإمارتين المعنية والشهابية" ضمن سلسلة من المحاضرات بعنوان "صفحات من تاريخ جبل عامل" كان عليّ أن أواجه أحد خيارين:

الأول: أن أعتمد المنهج التقليدي في كتابة التاريخ وهو القائم على الاهتمام بتدوين الوقائع والأحداث بعد التحري عنها وتحقيقها، دون الاهتمام بفلسفة هذه الأحداث أو تقييمها سياسياً أو عقيدياً، أو حتى اجتماعياً.

الثاني: ان أعتمد المنهج الحديث الذي يتبعه الكثير من المؤرخين المعاصرين وهو القائم على إبراز الأحداث الهامة المؤثرة في المسار التاريخي العام، مع الأخذ بالمسببات والنتائج، وذلك في سياق تحليل أو تقييم أو تسييس أو فلسفة هذه الأحداث، وهذا المنهج هو في نظري منهج التاريخ الهادف.

وبالإضافة الى أن الفترة التي طلب إليّ التحدث عنها هي من السعة بحيث تمتد الى نحو ثلاثة قرون ونصف القرن من الزمن (1516 - 1842) فلا يتسع الوقت القصير نسبياً لمحاضرة ما، الى الإلمام بأحداثها البارزة، مع تحليل أو تقييم أو فلسفة هذه الأحداث، وبما أنني، أساساً، من أنصار المنهج التقليدي للتاريخ باعتبار أن المنهج الحديث، في نظري، هو أقرب الى فلسفة التاريخ منه الى التاريخ بمعناه الصحيح، بل ربما مال عن التاريخ الصحيح الى تاريخ تحدد أهداف كتابته سلفاً، فتفسد موضوعيته، وبما أن الانضباط المهني غالباً ما يورث "الانضباط الفكري"، فقد عقدت العزم على أن أتبع في محاضرتي هذا المنهج التقليدي، فأتحدث عن صفحات من تاريخ "جبل عامل في عهد الإمارتين" تاركاً لغيري تحليل الأحداث وتسييسها وتقييمها وفلسفتها، ولعل في نية المجلس الثقافي للبنان الجنوبي، الذي كانت له المبادرة الكريمة في وضع سلسلة المحاضرات هذه، أن يتبعها بسلسلة أخرى تلبي مطامح الراغبين في بحث التاريخ حسب المنهج الحديث.

 

مقدمة

عندما نتحدث عن جبل عامل، إنما نعني، من الناحية الجغرافية، تلك البقعة من بلاد الشام التي راوحت حدودها التاريخية ما بين نهر الأولي وجزين ومشغرة شمالاً، ومرجعيون وبانياس والحولة شرقاً، والزيب ووادي القرن وسعسع (الفلسطينية) ووادي فاره جنوباً، والتي تشكل، حالياً، محافظة لبنان الجنوبي، بعد أن اقتطع الانتدابان الفرنسي والإنكليزي منها، بموجب معاهدة سايكس بيكو عام ،1916 عدداً من القرى نذكر منها، على سبيل المثال، لا الحصر، قرى الخالصة وهونين وقدس والنبي يوشع والمالكية وصلحة وتربيخا والمنارة والمطلة وغيرها. وأما من الناحيتين التاريخية والبشرية، فهو ما سيكون موضوع حديثنا الذي ينحصر في حقبة معيّنة من الزمن تمتد من أول الفتح العثماني، وهو، في نظري، التاريخ الحقيقي لقيام الإمارة المعنية في الشوف، الى نهاية الإمارة الشهابية، خليفة الإمارة المعنية ووريثتها.

وسوف نقسم بحثنا هذا الى موضوعين رئيسين هما:

أولاً - نظرة في تاريخ جبل عامل في عهد الإمارتين المعنية والشهابية (1516 - 1842).

ثانياً - الوجه العسكري للشخصية العاملية في العهدين المعني والشهابي.

 

أولاً - نظرة في تاريخ جبل عامل في عهد الإمارتين المعنية والشهابية

1 - في العهد المعني:

ورث العثمانيون، بعد فتحهم لبلاد الشام، عام 1516 تنظيمات إدارية وإقطاعية واضحة الصورة والمعالم، بل شبيهة بتلك التي كانوا يعتمدونها في معظم البلدان المحتلة والتابعة لامبراطوريتهم. لذا، لم يجد الفاتحون الجدد كبير عناء في فهم هذه الأنظمة وتبنّيها مع ادخال تعديلات طفيفة عليها تتناسب مع الأنظمة السائدة في الامبراطورية.

ولما كانت الامبراطورية العثمانية، في ذلك الحين، في أوجّ طموحها التوسعي، فقد كانت تكتفي من الأقطار التي تفتحها بالضرائب والجند، تاركة أمر الحكم فيها لولاة يتدبرون أمورهم بواسطة إقطاعيين غالباً ما يكونون من أهل تلك البلاد، كما حدث في بلاد الشام، وفي جبل عامل بالذات، إذ كانت تحكم هذا الجبل، في العهد المملوكي، أسر إقطاعية من الجبل نفسه، استمرت تحكمه في العهد العثماني على أن تدفع ما يترتب عليها من ضرائب، وأن تسوق الى الحرب ما يترتب عليها من جند.

ولكن الصراع الدائر بين هذه الأسر الإقطاعية كثيراً ما كان يبدل الوجوه الحاكمة، فنرى أن الأسر التي حكمت جبل عامل في العهد المملوكي ومنذ القرن الثالث عشر ميلادي حتى القرن السادس عشر، مطلع العهد العثماني، هي أربع: الأسرة البشارية، نسبة الى الأمير حسام الدين بشارة بن أسد العاملي، والأسرة السودونية، نسبة الى آل سودون، وهي، على الأرجح، من المماليك المصريين، والأسرة الشكرية، نسبة الى آل شكر، والأسرة الصغيرية، نسبة الى علي الصغير حفيد الأمير محمد بن هزاع الوائلي، ونرى أن هذه الأسر تتصارع فيما بينها لتحل الواحدة منها محل الأخرى في حكم البلاد، أو تقتسم الحكم فيما بينها، وهكذا نرى الحكم الإقطاعي يبرز بروزاً جلياً في جبل عامل، في القرن الثالث عشر ميلادي، على يد حكام من آل وائل ورثوا الحكم عن الأمير حسام الدين بن بشارة العاملي، الذي كان له الفضل في جمع أجزاء هذه البلاد وتوحيدها حتى عرفت فيما بعد باسمه (بلاد بشارة)، ثم ينتقل، في النصف الثاني من القرن الخامس عشر، الى أسرة آل سودون التي استمرت في الحكم نحو مئة وستين عاماً، من عام 1478 الى أن انقرضت تماماً بعد معركة جرت بينها وبين آل الصغير عام 1639.

وقد شارك في هذه المرحلة من حكم جبل عامل أسرة أخرى، أصلها من قرية "عيناتا"، هي أسرة "آل شكر" التي ظلت تنافس "آل الصغير" على الحكم ردحاً من الزمن، وكانت قواعد حكم هذه الأسرة في قرى عيناتا وقانا وتبنين، ولكنها انقرضت، هي الأخرى، بعد معارك جرت بينها وبين آل الصغير في كل من عيناتا وقانا وتبنين، عام ،1649 حيث قتل معظم رجال آل شكر وفر الباقون، وتسلّم آل علي الصغير حكم البلاد بعدئذ، وتفردوا به، فحكموا بلاد بشارة الجنوبية (تبين وهونين وقانا ومعركة)، وجعلوا تبنين قاعدة لهم، وقد استمرت هذه الأسرة في حكم جبل عامل طويلاً، ولعبت دوراً حاسماً وهاماً في سياسة جبل عامل وتاريخه ومصيره.

إلا أنه، بعد الفتح العثماني مباشرة، برزت الى الوجود السياسي في جبل عامل أسرتان جديدتان، أخذتا تنافسان الأسرة الوائلية على الزعامة والسياسة، هما: آل صعب حكام الشقيف من بلاد بشارة الشمالية، وقاعدتهم النبطية، وآل منكر حكام إقليمي الشومر والتفاح من بلاد بشارة الشمالية أيضاً، وقاعدتهم جباع.

وعلى الرغم من أن آل علي الصغير كانوا أكثر هذه الأسر نفوذاً وأقواها شكيمة، فقد كان لكل أسرة استقلالها الإداري بالمقاطعة أو المقاطعات التي تحكمها، فالحاكم الإقطاعي حرّ في إدارة مقاطعته، يتصرف بشؤونها ويحمي حدودها، من دون أن يكون هنالك سلطة فوق سلطته، أما سلطة الدولة، فكانت إسمية، وتتلخص في حقها باستيفاء الضرائب والرسوم المقطوعة وفقاً لشروط الالتزام، ومن دون أن يكون لها الحق بالتدخل في الشؤون الداخلية للبلاد، وكان لكل حاكم جنده الخاص به للدفاع عن مقاطعته، حتى إذا هوجم واحد منهم هبّت باقي المقاطعات تسانده وتؤازره. وقد تمكنت هذه الأسر الثلاث، في فترات مختلفة، وبفضل قوتها وضعف الحكام الخارجيين، من الاستقلال بمقاطعاتها استقلالاً ذاتياً يكاد يكون تاماً.

إلا أن ذلك لم يكن يعني أن جبل عامل خارج عن سلطة الامبراطورية العثمانية، فقد كان الولاة العثمانيون "يلزمون" جباية الرسوم والضرائب المترتبة على جبل عامل الى من يرغب من رجال الإقطاع في ذلك العهد، عاماً بعد عام، وكان أول من تقدم من آل معن لالتزام مقاطعات جبل عامل هو الأمير فخر الدين المعني الثاني أمير الشوف، الذي التزم سنجقية صفد عام 1603 من مراد باشا والي الشام، ونازعه عليها بعد ذلك الأمير يونس الحرفوش أمير البقاع، وكان هذا النزاع سبباً لخصومات ومعارك شديدة بين الطرفين كان النصر في نهايتها للأمير المعني، الذي استطاع أن يستولي على جبل عامل طيلة مدة حكمه في إمارة الشوف، ففي عام 1612 كانت قلعتا بانياس والشقيف بيد فخر الدين، وكان وكيله على بانياس، الشيخ حسين اليازجي، وكيلاً كذلك على القسم الشرقي من بلاد بشارة، ووكيله على الشقيف، الشيخ حسين الطويل، وكيلاً على إقليمي الشومر والتفاح.

وفي أثناء غياب الأمير فخر الدين بتوسكانة (1613 - 1618) تسلّم أخوه الأمير يونس بلاد عاملة، متخذاً صور مقراً له، كما تسلّم الشيخ حسين اليازجي مقاطعة تبنين، وجعلها مقراً له، "وكانا يقودان الشعب بأجمعه وقت الحاجة ويوجهانه حيث أرادا"، حتى إن العامليين حاربوا الى جانب المعنيين ضد آل سيفا حكام طرابلس، في وقعة الناعمة عام ،1616 وبقيادة ابنه الأمير علي المعني، فكانت ميسرة الجيش المعني في هذه الوقعة من العامليين ومن رجال الأمير علي الشهابي حاكم وادي التيم، كذلك حارب العامليون الى جانب المعنيين، في معركة عنجر الشهيرة عام ،1623 ضد مصطفى باشا والي الشام وحلفائه الحرفوشيين حكام البقاع والسيفيين حكام طرابلس، إذ اشتركوا في هذه المعركة بفرقة قوامها ألف مقاتل بقيادة مصطفى مدبر الأمير فخر الدين، كما حاربوا الى جانب فخر الدين في حملته على عكار عام 1618 - 1619 وكانوا بقيادة ابنه الأمير علي، وفي معركة فارا التي جرت في أثناء حملته على فلسطين عام ،1623 وكانوا بقيادة طويل حسين بلكباشي.

إلا أن غياب الأمير فخر الدين عن المسرح السياسي عام ،1633 أضعف سلطة خلفائه المعنيين، الذين لم يكن حكمهم في جبل عامل مستمراً ومستقراً تماماً، بل تخلّلته ثورات واضطرابات كثيرة، وهكذا نرى العامليين يخوضون، في فترة الحكم المعني بالذات، معارك عديدة ضد المعنيين أنفسهم وضد الولاة العثمانيين، وأهم هذه المعارك:

- وقعة أنصار (1638): كان العثمانيون قد ولّوا على الإمارة المعنية، بعد أسر فخر الدين وسوقه الى الاستانة عام ،1633 الأمير علي علم الدين زعيم الحزب اليمني، والخصم اللدود لآل معن، بينما فرّ الأمير ملحم بن الأمير يونس المعني، وهو الأمير الوحيد الذي بقي حراً من أسرة آل معن، الى قرية "عرنا" بسفح جبل الشيخ، حيث لجأ الى أحد أنصار أسرته، ومن هناك بدأ يتصل بأنصاره من الحزب القيسي، مهيئاً نفسه لمعركة فاصلة مع العثمانيين وحلفائهم اليمنيين، الحكام الجدد للإمارة، فخاض، ضد هؤلاء وأولئك، معركة في أرض "القيراط"، قرب قرية "مجدل معوش" بالشوف، عام ،1635 كان النصر فيها حليفه، وفرّ الأمير علي علم الدين اليمني على أثر هذه المعركة وتشتّت جيشه، فلجأ الى قرية "أنصار" بجبل عامل مستنجداً بمشايخها من آل منكر، وكانوا يوالونه، ضد الأمير المعني، فلما علم الأمير ملحم بذلك جهّز جيشاً وقصد "أنصار" عام 1638 لمداهمة الأمير علي فيها، ولكن هذا الأخير تمكن من الفرار وأرسل يطلب النجدة من والي الشام، الذي أرسل لمساعدته فرقة من السكمان توجهت لقتال الأمير ملحم، الذي ما إن علم بتوجهها إليه، حتى ترك "أنصار" بعد أن هدمها وقتل نحو ألف وخمسمئة من أهلها، إذ اتهمهم بالانحياز الى خصومه اليمنيين.

- وقعة عيناتا (1660): ألحق جبل عامل بباشوية صيدا عند إنشائها هذا العام (1660)، وقد جرت هذه الوقعة بين العامليين وبين علي باشا الكبرلي أول وال على صيدا، ولم يصلنا أي تفصيل لها، فقد ذكرها الشيخ علي السبيتي في المجموعة التي نشرها في مجلة العرفان إذ قال: "ان الشيعيين، في أوائل حكم الأتراك العثمانيين، وقعت بينهم وبين الطوائف المجاورة معارك عدة كانت الحرب فيها سجالاً، فمنها معركة أنصار سنة 1048هـ = 1638م مع الأمير ملحم بن معن، ومعركة عيناتا سنة 1070 هـ = 1659م، ومعركة النبطية سنة 1077هـ = 1667م الخ.." من دون أن يذكر أي تفصيل عن هذه الوقعة، كذلك ذكرها المؤرخ الأمير حيدر أحمد الشهابي، في أحداث العام 1071هـ = 1661م إذ قال: "وفي هذه السنة قدم علي باشا والي صيدا، وهو أول من تولاها من الباشوات، وكانت فتنة عظيمة بينه وبين مشايخ المتاولة" من دون أن يذكر أسباب هذه الفتنة وموقعها، وذكرها المؤرخ محمد تقي آل فقيه مستنداً في تحديد موقع المعركة الى كتاب "جبل عامل في قرنين"، وهو مجموعة من المقالات التي نشرها الشيخ علي السبيتي في العرفان، ويكتفي آل فقيه من ذكر هذه الوقعة بقوله: "إن الأمير ملحم مات سنة 1070هـ وفرّ ولداه قرقماز وأحمد، وأصبحت صيدا باشوية، ودخلها الباشا على أثر هذا الانقلاب، فحاول العامليون استغلال الموقف، فقامت الحرب على ساق بينهم وبين الباشا الجديد، وكانت الخسائر فادحة والضحايا كثيرة والواقعة عظيمة". ويضيف قائلاً: "ولا نعرف ماذا عقبته، ولا أي شيء أنتجته على التفصيل، غير أننا نظن أنهم - أي العامليون - تولّوا إدارة البلاد بأنفسهم".

- وقعة النبطية (1666): جرت بين العامليين والأمير أحمد المعني آخر حكام المعنيين، وقد ذكرها السبيتي في مجموعته مشيراً الى انتصار المشايخ العامليين فيها، وأوضح الشيخ أحمد رضا بعض أسبابها فقال: "واغتنم المتاولة فرصة الوهن الذي طرأ على الحكومة المعنية في زمن الأمير أحمد فأعلنوا استقلالهم عن لبنان وخرجوا عن طاعة أمرائه، فغزاهم الأمير أحمد سنة 1077هـ في النبطية مقر الصعبية حكامها، فارتد عنها عسكره منهزماً بعد ملحمة كبرى، فاستجاش عليها والي صيدا، فأتاها هذا في العام القابل غازياً، وكان نصيبه كنصيب صاحبه المعني، حيث لحق المتاولة المنهزم الى عين المزارب قرب صيدا"، وذكرها الشيخ سليمان ظاهر بقوله: "من الحوادث التي وقعت في النبطية، ولم يذكرها المؤرخان الدبس والشدياق، وجاء ذكرها في المخطوطات العاملية، أن الأمير أحمد المعني جاءها سنة 1077هـ، في أربعة آلاف رجل، لمقاتلة أبي صعب، فقاتلوه وكسروه كسرة عظيمة، وقتلوا من عسكره زهاء مئتي رجل وقتل منهم خمسة رجال" إلا أن محمد جابر آل صفا روى هذه الوقعة بشكل آخر ربما كان أقرب الى المنطق والواقع إذ قال: "حتى إذا... ظهر الوهن في حكومة المعنيين، نهض زعماء العشائر من بني عاملة واجتمعت كلمتهم.. فنظموا صفوفهم وثاروا في سنة 1077هـ - 1666م ثورة رجل واحد، وطردوا عمال أرسلان باشا وفتكوا فيهم، فأرسل الوالي حملة عليهم مستعيناً بجنود آل معن، فنازلوهم في النبطية ووادي الكفور، وكان الفوز للشيعيين".

- وقعة وادي الكفور (1667): ذكرها بعض المؤرخين العامليين مثل السبيتي وآل صفا وآل فقيه (نقلاً عن السبيتي) من دون أن يذكروا أي تفصيل لها، كما لم يذكرها باقي المؤرخين أمثال الشهابي والدويهي والدبس والشدياق، وربما كانت امتداداً لوقعة النبطية كما صنّفها الاستاذ آل صفا مبيّناً أن الحملة التي أرسلها الوالي، بالتعاون مع المعنيين، قاتلت العامليين "في النبطية ووادي الكفور".

- معارك أخرى: وقد أشار بعض المؤرخين العامليين الى معارك أخرى جرت في هذه الفترة من دون أن يسموها، فقال الشيخ أحمد رضا، بعد ذكره لوقعتي أنصار والنبطية: "ثم استعرت نار الوقائع بين أمراء لبنان ومشايخ المتاولة فكانت بينهم سجالاً" وقال آل صفا بعد ذكره لوقعة النبطية: "ودامت المناوشات نحو ثلاثين سنة، حتى سنة 1109هـ = 1697م" وقد تبعهم في ذلك بعض المؤرخين العامليين مثل آل فقيه وسواه، إلا أننا لا نجد لذلك أثراً عند مؤرخين أمثال الشهابي والدويهي والدبس والشدياق، وربما كان مرد ذلك هو أن جبل عامل لم يكن في هذه الفترة تحت سلطة المعنيين مباشرة.

 

2 - في العهد الشهابي:

سقطت الإمارة المعنية عام 1697 وخلفتها الإمارة الشهابية حيث تولى الأمير بشير الأول الحكم فيها، وعلى الرغم من تبدّل الحكام في هذه الإمارة، فإن الخط السياسي العام الذي اتبعه زعماء جبل عامل تجاه الحكم الشهابي لم يتبدل عما كان عليه تجاه الحكم المعني، إذ أنه، كما في عهد الأمراء المعنيين الذين خلفوا فخر الدين الثاني، لم يكن للأمراء الشهابيين في جبل عامل حكم ثابت مستقر، وعلى الرغم من أن كلاً من هؤلاء الأمراء كان يطمح الى أن يتولى حكم هذا الجبل، بضمان من والي صيدا، فغالباً ما كانت مهمتهم تنحصر في معاونة هؤلاء الولاة في جباية الأموال والضرائب المترتبة على العامليين، إذا تمنع هؤلاء عن دفعها، وهكذا نرى بشير الأول، بعد عام واحد من توليه الحكم، أي عام ،1698 يلبي دعوة أرسلان باشا المطرجي والي صيدا، ويزحف الى جبل عامل بجيش قوامه 8 آلاف مقاتل، ليخضع أحد زعمائه الشيخ مشرف بن علي الصغير، الذي خرج على الوالي وقتل بعض أعوانه واعتصم في قريته (المزيرعة، أو المزرعة، أو مزرعة مشرف)، فيقاتله الأمير فيها وينتصر عليه ويقتل عدداً كبيراً من جماعته، ثم يقبض عليه وعلى أخيه محمد بن علي الصغير ويسوقهما الى الوالي الذي يسجنهما، وتطلق يد الأمير مقابل ذلك في صفد ومقاطعات جبل عامل (بلاد بشارة ومقاطعة الشقيف وإقليمي الشومر والتفاح). وتسلّم الأمير حيدر عام 1706 حكم الإمارة الشهابية، فكان أول عمل قام به هو محاولة السيطرة على جبل عامل، وكان بشير باشا الذي أصبح والياً على صيدا، قد أعاد الشيخ مشرف الى حكم مقاطعته في بلاد بشارة (وكان أرسلان باشا قد سبق وأطلق سراحه)، والتمس الأمير حيدر من بشير باشا حكم جبل عامل بعد أن أغراه بالمال، فأقطعه أياه، وفي عام 1707 زحف الأمير حيدر على جبل عامل بجيش قدّره بعض المؤرخين بـ12 ألف مقاتل، (يزبك، أوراق لبنانية، حزيران ،1956 ص 277)، وكان آل الصغير قد اعتصموا، مع حلفائهم من آل منكر حكام إقليمي الشومر والتفاح وآل صعب حكام الشقيف، في بلدة النبطية، فهاجمها الأمير حيدر، ودارت بين الفريقين معركة انتهت بانتصار الأمير الشهابي واحتلاله للبلاد، حيث نصب عليها متسلماً من قبله هو الشيخ محمود أبو هرموش، بينما تشتت آل الصغير وحلفاؤهم تاركين حكم الجبل للأمير الشهابي.

ولم يكن الحال بين الشهابيين والعامليين في عهد الأمير ملحم (1732 - 1754) بأفضل منه عما كانت عليه مع من سلفه من حكام هذه الإمارة، إذ استهل الأمير ملحم المذكور حكمه بإظهار طموحه للتوسع نحو مقاطعات جبل عامل، ففي عام 1734 طلب من سليمان باشا العظم والي صيدا أن يقطعه بلاد بشارة، وكان زعماؤها، من آل الصغير، قد خرجوا عن طاعة الوالي وامتنعوا عن أداء الأموال الأميرية إليه، فأقطعه إياها، فقام الأمير ملحم بحملة على هذه البلاد حيث نازل زعماءها في بلدة (يارون) فهزمهم، وفرّ آل الصغير الى القنيطرة.

ويذكر دي لان De Lane قنصل فرنسا بصيدا عام 1734 هذه الوقعة في رسالة وجهها بتاريخ 20 آب من العام نفسه الى الكونت دي موريباس C. De Maurepas وزير الدولة الفرنسية، فيقول "ان الصدر الأعظم حانق بسبب رفض مشايخ المتاولة دفع الضرائب وبعض الأموال المترتبة عليهم له ولحكامه، وقد كلف سليمان باشا (والي صيدا) وأمير الدروز - يقصد الأمير ملحم - مهمة حصار قلاعهم وتصفيتهم جميعاً، وهكذا دخل الأمير، عند تلقيه هذا الأمر، بلاد المتاولة، بجيش مقداره خمسة عشر ألف مقاتل حيث نشر النار والدماء في كل مكان حل فيه".

Ismail Adel, Documents diplomatiques et consulaires, T, 2 p77

وفي عام 1743 خرج المناكرة والصعبية على الوالي سعد الدين باشا العظيم، والي صيدا فأرسل الأمير ملحماً لتأديبهم، ودارت بين الفريقين معركة ضارية في جوار قرية (أنصار) انتهت بهزيمة العامليين ولجوئهم الى داخل القرية، حيث أقدم الأمير ملحم على اقتحامها وإحراقها، ثم عاد بعسكره الى دير القمر، بعد أن خسر العامليون في هذه المعركة نحو ألف وستمئة قتيل، كما قبض الأمير على أربعة من مشايخهم.

وفي عام 1750 اعتدى المناكرة على إقليم جزين وكان داخلاً في حكم الجنبلاطيين حلفاء الشهابيين، فقتلوا اثنين من أتباع الشيخ بشير جنبلاط حليف الأمير ملحم، فحشد هذا الأخير جيشاً وسار لقتالهم حيث لقيهم في قرية (جباع الحلاوة) فقاتلهم وقتل منهم نحو ثلاثمئة رجل.

مرت ولاية الأميرين منصور وأحمد الشهابيين (1754 - 1763) ثم ولاية الأمير منصور منفرداً (1763 - 1770)، على الإمارة الشهابية من دون حوادث ذات أهمية بين العامليين والشهابيين، وذلك لأن الأمراء الشهابيين كانوا منشغلين في هذه الفترة بالخصومات والصراعات الداخلية فيما بينهم، مما قيض للعامليين نوعاً من الاستقلال الذاتي والتصرّف الحرّ، إلا أن ذلك لم يمنعهم من التحسّب واليقظة، خصوصاً وقد لقوا في خلال انتفاضاتهم المتعددة على الحكم العثماني، وبالتالي على الحكمين المعني والشهابي، من الشدة والقسوة ما جعلهم لا يطمئنون إلا لحكم زعمائهم، وكان عليهم، في الوقت نفسه، أن يزيدوا من قواهم الذاتية من جهة، وأن يبحثوا عن تحالفات عسكرية تتيح لهم الصمود والمنفعة من جهة أخرى، وفي هذه الأثناء، قام في العامليين زعيم وحد صفوفهم وجمع كلمتهم هو الشيخ ناصيف النصار من آل الصغير الذي وصفه "شيفالييه دي توليس" Chevalier de Taulés قنصل فرنسا بصيدا في رسالة منه الى "الدوق ديغويون" Duc D'Aiguillon بتاريخ 28 حزيران 1772 بأنه "الشيخ الكبير الذي اشتهر في كل سوريا بشجاعته".

Ismail, Documents, T. 2 p240

كما قام في ديار عكا وصفد حاكم طموح وقدير ومتحفز هو الشيخ ظاهر بن عمر بن أبي زيدان، المعروف بظاهر العمر، تسلم تلك الديار من والي صيدا بشير باشا في أول عهده بالولاية عام ،1706 وأخذ يرقب، بعين حذرة ويقظة، ما يجري في شمال بلاده وجنوبها. ففي مصر حاكم يحلم بالتوسع شمالاً، نحو بلاد الشام، ويطمح للتعاون مع حاكم قدير في فلسطين يسهل له دخول تلك البلاد، هو علي بك الكبير وقائده محمد بك أبو الذهب، وفي جبل عامل مشايخ عانوا الكثير من الظلم العثماني المتحالف مع أمراء آل معن ومن بعدهم آل شهاب، فأضحوا تواقين للتحالف مع قوة تساندهم وتعزز قوتهم وتشد أزرهم، وهكذا التقى في ساحة فلسطين وعلى امتدادها شمالاً حتى صيدا، ثلاث قوى تكمل بعضها، هي قوة المصريين والصفديين والعامليين، وقد بلغ هذا التحالف أوجه عام 1771 مما حدا بدراغون Conféderation النائب التجاري للجالية الفرنسية بصيدا، الى تسميته بـ"اتحاد كونفدرالي" Conféderation بين مصر والشيخ ظاهر العمر والمتاولة ضد السلطان، وذلك في رسالة بعث بها الى الدوق ديغويون D'Aiguillon وزير الدولة الفرنسية بتاريخ 2 أيار 1771.

Ismail, Documents, T. 2 p169

إلا أن التحالف بين العامليين والشيخ ظاهر العمر لم يكن سهلاً في بدايته، فقد سبقه صراع مسلح بين شيخ مشايخ العامليين ناصيف النصار والشيخ ظاهر، حيث تقاتلا في معارك عدة أهمها معركة تربيخا عام 1750 التي هزم فيها ظاهر، وانتهت الحرب بين الفريقين بمعاهدة تحالف ودفاع وقعت بينهما في عكا عام 1767 "وحلفا اليمين على السيف والمصحف أن يكونا وشعباهما متضامنين متصافيين ما دامت الأرض والسماء"، وكان هذا التحالف قد تم بناء لوساطة بين المتخاصمين قام بها الأمراء الشهابيون وحلفاؤهم المشايخ الجنبلاطيون، وكانوا على علاقة حسنة بالفريقين في ذلك الحين. يحدثنا عن ذلك قنصل فرنسا في صيدا "كليرامبو" Clairambault في رسالة بعث بها الى وزير الدولة الفرنسية "الدوق دي براسلان" Duc De Braslin بتاريخ 23 نيسان 1767 يقول فيها "الشيخ ناصيف النصار هو اليوم شيخ مشايخ المتاولة الذين يقيمون من صيدا حتى أرض عكا، وهو يحمي الشيخ عثمان ابن الشيخ ظاهر العمر، الذي لجأ إليه - وكان الشيخ عثمان قد خرج عن طاعة أبيه فلجأ الى الشيخ ناصيف - وبما أن الحرب في هذه البلاد تهدأ ثم تتجدد كل ثلاثة أشهر، فإنها تنتهي بخراب أحوال الفلاحين، وبإعطاء المبرر لمشايخهم لتأجيل دفع الضرائب والمستلزمات المالية للوالي. وقد وصل الى هنا - أي الى صيدا - الأمير إسماعيل - أمير وادي التيم - وثلاثة من مشايخ الدروز هم الشيخ علي جنبلاط والشيخ عبد السلام العماد والشيخ كليب النكدي، وهؤلاء يعاضدون الشيخ ناصيف. فعملوا على إحلال الوفاق بينه وبين الشيخ ظاهر العمر".

Ismail, Documents, T2 p150 - 151

ولا يغربن عن بالنا أن هذا الوفاق قد تم في عهد الأمير منصور الشهابي الذي كان كما قيل عنه "لين العريكة لا يخلو من جبانة قليلة". فعمل على إحلال الوفاق محل الخصام بينه وبين العامليين طيلة مدة ولايته، حتى أضحوا يوالونه حقاً.

وما إن تم الوفاق بين الشيخين ناصيف النصار شيخ مشايخ جبل عامل والشيخ ظاهر العمر حاكم صفد وعكا، حتى انقلب هذا الوفاق الى تحالف وطيد، نظراً للعداوة التي كانا يكنانها كلاهما للعثمانيين والشهابيين، وهكذا، ما إن انتهت ولاية الأمير منصور، وخلفه في الحكم ابن أخيه الأمير يوسف، حتى انتفض العامليون مجدداً ضد حكم الوالي العثماني درويش باشا (والي صيدا) وذلك عام ،1771 فرفضوا دفع الأموال الأميرية وطردوا عمال الوالي من ديارهم، وأظهروا البغضاء للأمير يوسف الشهابي حليف هذا الأخير، فأقدموا على مهاجمة بلدة مرجعيون وقرى الحولة وهي، في ذلك الحين، من أعمال خاله الأمير اسماعيل أمير وادي التيم، فجهز الأمير يوسف لقتالهم جيشاً قدّر بعشرين ألف مقاتل من مشاة وخيالة، وأرسل الى خاله ليلاقيه بمن عنده من المقاتلين، ثم نهض من عاصمته دير القمر باتجاه صيدا حيث عسكر عند جسر الأولي، فبات ليلته هناك، وانطلق في اليوم التالي الى "جباع الحلاوي" حيث تحشد آل نمر وأنصارهم من آل الصغير وآل صعب، فلما عرف هؤلاء بضخامة الجيش الذي جاء به الأمير لقتالهم، تفرقوا ورحلوا عن البلاد من دون قتال، بينما وصل الأمير الى "جباع" فأحرقها كما أحرق جميع قرى إقليم التفاح.

واتصل العامليون بالشيخ ظاهر العمر، حليفهم، يطلبون منه العون والنجدة، وكانوا قد ناصروه مناصرة فعالة في معركة سبق وجرت، في آب من العام نفسه ،1771 ضد عثمان باشا الصادق والي دمشق، عند بحيرة الحولة، انتهت بهزيمة الوالي وسحق جيشه، وانتصار الشيخ ظاهر وحلفائه العامليين، فكتب بدوره الى الأمير اسماعيل أمير وادي التيم يتوسطه لكي ينصح ابن اخته الأمير يوسف بإحلال الصلح بينه وبين العامليين، وأرسل الأمير اسماعيل كتاب الشيخ ظاهر الى الأمير يوسف وطلب منه باسمه الشخصي، أن يتوقف عن مطاردة العامليين وإرهاقهم تجاوباً مع وساطة الشيخ ظاهر، ولكن الأمير يوسف رفض قبول الوساطة، كما أنه لم ينتظر وصول خاله الأمير اسماعيل الذي طلب منه البقاء في مركزه من دون قتال حتى وصوله، فانطلق بجيشه الى كفررمان فأحرقها، ثم الى النبطية (تشرين الأول 1771) حيث كان العامليون قد استقروا بعد أن جمعوا فلول مقاتليهم فبلغت نحو أربعة آلاف مقاتل، وانضم اليهم حليفهم الشيخ ظاهر العمر الذي أغاظه عدم قبول الأمير يوسف لوساطته، وعزم الجميع على ملاقاة المهاجمين، وما إن وصلت طلائع جيش الأمير يوسف الى النبطية حتى بادرها العامليون ورجال الشيخ ظاهر بالقتال، ويرى بعض المؤرخين أن الشيخ علي جنبلاط، الذي كان في صفوف الأمير مع رجاله، كان ميالاً للتفاهم مع العامليين ومصالحتهم، فلم ترقه هذه الحرب، وانكفأ برجاله، مما أدى الى تضعضع صفوف الجيش الشهابي ثم هزيمته، وانقض العامليون مع حلفائهم ساعتئذ على الجيش المنهزم فأوقعوا في صفوفه، حسب بعض المؤرخين، نحو ألف وخمسمئة قتيل، ولم ينقذ جيش الأمير يوسف إلا وصول خاله الأمير اسماعيل بجيشه، ولكن الأمير يوسف ظل يتقهقر بجيشه حتى دخل إمارته، وخاف درويش باشا والي صيدا من لقاء العامليين وحلفائهم ففر من المدينة، وقاد الشيخ ظاهر العمر الهجوم باتجاه الشمال، وكان ذلك طموحاً قديماً لديه، فدخل صيدا فاتحاً حيث مكث فيها مدة، ثم عيّن عليها متسلّماً من قبله هو أحمد آغا الدنكزلي، وغادرها الى فلسطين. وحكم العامليون صيدا في هذه الفترة، وأقاموا فيها يتحرشون بإمارة الأمير يوسف، واستقرت العداوة بين الأمير يوسف وحلفائه العثمانيين من جهة، والشيخ ظاهر وحلفائه العامليين من جهة أخرى، ولم يكن ممكناً أن تسمح السلطنة للشيخ ظاهر وحلفائه بهذا الانتصار، فأرسل عثمان باشا والي دمشق يطلب من الأمير يوسف تجهيز جيش لمقاتلتهم، وكتب الى خليل باشا والي القدس ومعه الجزار أن يرافقه في هذه الحملة، وأمدهما بكل ما يلزمهما من معدات القتال، فتجمع للأمير يوسف نحو عشرين ألف مقاتل ضربوا حصاراً حول صيدا مدة أسبوع كامل كاد الدنكزلي في نهايته أن يسلم المدينة، لولا أن الشيخ ظاهر أوفد سفناً مسكوبية حربية (استأجرها لهذا الغرض) فأطلقت مدافعها على الجيش المحاصر، مما اضطره الى فك الحصار عن المدينة.

وعلى الرغم من ذلك، فقد حاول الشيخ ظاهر أن يتحاشى استئناف القتال، فأرسل الى الأمير يوسف يطلب منه أن يرجع بعسكره الى جسر الأولي شمالي صيدا، إلا أن الأمير أبى ذلك، فزحف الشيخ ظاهر وحلفاؤه المصريون والعامليون تجاه صيدا لاحتلالها، والتقى الجيشان في سهل "الغازية" جنوبي شرقي صيدا (في حزيران 1772)، حيث جرت بينهما معركة انتهت بهزيمة الأمير يوسف وحليفه خليل باشا والي القدس، وطارد الشيخ ظاهر وحلفاؤه فلول جيش الأمير يوسف حتى وصلت حدود الإمارة، بينما فر خليل باشا بمن معه الى دمشق بعد أن خسر نحو خمسمئة رجل، أما خسارة الشيخ ظاهر فكانت نحو ألف رجل. ولم يكتف الشيخ ظاهر بهذه الهزيمة، بل أرسل السفن المسكوبية لحصار مدينة بيروت بحراً - وكانت محمية شهابية - فدمرت بمدافعها بعض أبراج المدينة، ثم نزل عسكر هذه السفن اليها فنهبوها وعادوا الى سفنهم، وظل حصار السفن المسكوبية لبيروت قائماً الى أن دفع أمراؤها مبلغاً من المال قبضه قائد الأسطول وعاد قافلاً الى عكا.

واستمر التحالف بين العامليين بقيادة الشيخ ناصيف النصار وبين المصريين بقيادة علي بك والصفديين بقيادة الشيخ ظاهر العمر، قوياً ومتيناً، حتى عام ،1774 حيث دب الخلاف بين محمد بك أبو الذهب الذي خلف علي بك في حكم مصر بعد وفاته، وبين الشيخ ظاهر، فأشهر أبو الذهب الحرب على حليفه الشيخ ظاهر، وهاجم بلاده بستين ألف مقاتل، مما اضطر الشيخ ظاهر الى الفرار بينما احتل أبو الذهب عكا وصفد وصور وصيدا، إلا أنه لم يستمر في حكم هذه البلاد سوى أيام معدودات، إذ توفي فجأة فانسحبت الجيوش المصرية وعاد الشيخ ظاهر الى عكا، ولكنه اغتيل عام 1776 على يد أحد رجاله من أتباع الدنكزلي، وتسلّم أحمد باشا الجزار ولاية عكا، فكان أول همه إخضاع جبل عامل لسلطته، وزحف إليه بجيش لجب عام ،1781 وتصدى له ناصيف النصار مع حلفائه من مشايخ هذا الجبل، ودارت بين الفريقين معركة ضارية هي معركة (يارون) التي انتهت بانتصار الجزار ومقتل النصار مع عدد يراوح بين 300 و400 من فرسانه ومقتل عدد من المشايخ العامليين. ويتحدث أرازي Arazy قنصل فرنسا العام في صيدا عن هذه المعركة، في رسالة منه الى الكونت دي فيرجين C. De Vergennes وزير الدولة، بتاريخ 2 تشرين الأول 1781 فيقول: "ان موت الشيخ ناصيف ونحو 300 أو 400 من فرسانه مع عدد من المشايخ، وضع، بضربة واحدة، حداً لهذه الحرب، وذلك بتشتيت باقي المشايخ الذين وقع إثنان منهم في قبضة الباشا".

Ismail, Documents, T2 p385

وبمقتل الشيخ ناصيف خضع جبل عامل لحكم الجزار طيلة ربع قرن حتى وفاة هذا الأخير عام 1804.

منذ أن تولى أحمد باشا الجزار حكم ولاية عكا (بما فيها جبل عامل وصيدا) لم يعد للشهابيين يد في هذه الولاية، وهكذا، فقد انقضت ولاية الأمير يوسف (عام 1790)، والعقد الأول من ولاية الأمير بشير الثاني الكبير حتى وفاة الجزار (1804)، من دون أن يكون لهؤلاء الأمراء في جبل عامل أي تأثير، ولكن العامليين، الذين تعودوا التمرد والثورة على كل حكم أجنبي، وأنسوا في حياتهم شيئاً من الحرية والاستقلال الذاتي، لم يستكينوا لحكم الجزار الذي تميّز بالغلظة والقسوة، فحكم البلاد بالحديد والنار، وقضى على قسم كبير من زعمائهم وشرّد القسم الآخر الى عكار وحلب والأناضول، وهاجر العلماء والمثقفون الى البلاد الإسلامية النائية كالهند والعراق وإيران وأفغان خوفاً من بطش الجزار وظلمه، فأصبح تاريخ احتلال الجزار لجبل عامل نهاية فترة من الحكم الذاتي تمتع به الجبل طويلاً، ولكن البلاد عرفت في عهد الجزار عدداً من الانتفاضات كتلك التي قام بها الشيخ حمزة بن محمد النصار من آل الصغير والشيخ علي الزين صاحب شحور، اللذان شكلا فرقة من الثوار أخذت تهاجم المراكز الحكومية العائدة للجزار، فهاجمت تبنين وقتلت الحاكم العام فيها وأصابت بعض أعوانه، إلا أن انتقام الجزار كان شديداً، إذ فاجأ المتمردين في بلدة شحور بفرقة من جنده فقضى على زعيمهم الشيخ حمزة وفر الشيخ علي الى إيران وتشتت شمل المتمردين جميعاً.

يستدل من ذلك أن هذه الانتفاضات في عهد الجزار لم تكن منظمة ولم يقيض لها زعيم كناصيف النصار يوجهها التوجيه الصحيح، فغالباً ما كنت خالية من أي توجيه ثوروي أو أي غاية سياسية محددة، كما كانت لا تتورع عن إيقاع الضرر بالأهالي أو برجال الجزار لا فرق، يحدثنا الشيخ علي سبيتي في مجموعته عن هذا الموضوع فيقول: "كان دور العصابات والفدائيين أتعس دور مرّ على جبل عامل، وقع فيها، بين نارين، نار زبانية الجزار ونار رجال الثورة، فالزبانية التي كان يقذفها الطاغية تعيث في البلاد فساداً، وتضيق الخناق على الأهلين المساكين وتؤلف منهم فرقاً لمطاردة العصابات فلا تظفر بهم، والثوار يشنّون الغارات للسلب والنهب وحرق القرى وتدمير البيوت متغلغلين في بطون الأودية بين الأحراج والغابات ومعتصمين برؤوس الجبال".

ولكن الكابوس الخانق، الذي كانت شخصية الجزار المعروفة بالبطش والظلم والإرهاب قد فرضته على أهل جبل عامل طيلة حياته، ارتفع بعد مماته عام ،1804 وعلى الرغم من أن والياً جديداً عيّن على عكا هو سليمان باشا، إلا أن حرب العصابات في جبل عامل قد اتسعت وعمّت، وشملت سلطة الثوار عكا وصفد، فصاروا يفرضون الضرائب والرسوم على البلاد ويعاقبون المتمردين على أوامرهم، وقد قيض للعامليين، في هذه الفترة، زعيم قوي وقادر وذو نفوذ، كأبيه، هو فارس بن ناصيف النصار، الذي قاد الثورة ضد الوالي الجديد، وكان هذا "سلس القياد لين العريكة" بعكس الجزار سلفه، فقرر أن وسيلة التودد واللين مع ثوار بني عاملة أجدى من البطش والإرهاب، فتوسط لديهم الأمير بشير الثاني أمير الشهابيين (1790 - 1840) وكان هذا سياسياً قديراً ومحنكاً، استطاع بدهائه وقدرته السياسية، التوصل مع الثوار العامليين الى شروط للصلح تنهي الثورة، وقد وقع على هذه الشروط في بيت الدين، كل من جرجس باز معتمد الأمير وحسن الشيت معتمد الشيخ فارس النصار، وهي تتلخص بما يلي:

1 - العفو العام عن جميع الثائرين.

2 - إعادة إقليم الشومر الى جبل عامل وكان قد سلخ عنه بعد معركة يارون عام 1781.

3 - أن لا يكون لموظفي الدولة سلطة على الجبل، وأن يرجع أهله في حل خلافاتهم الى عميدهم الشيخ فارس (النصار) الذي يمثلهم تجاه الحكومة وبه تحصر الاتصالات وعليه تعود المسؤولية (تاريخ جبل عامل، لمحمد جابر آل صفا، ص 141).

وقد وافق والي عكا سليمان باشا وراغب أفندي معتمد الباب العالي على هذه الاتفاقية، فكانت موافقتهما اعترافاً صريحاً بنوع من الحكم الذاتي لجبل عامل، وهو الأمر الذي حرم منه هذا الجبل طيلة حكم الجزار، وقد اتخذ الشيخ فارس بلدة (الزرارية) مقراً له حيث بنى فيها داراً للرئاسة على نفقة الدولة.

وظلت هذه المعاهدة قائمة حتى ولاية عبد الله باشا الذي خلف سليمان باشا في عكا، وفي عام 1821 عقد عبد الله باشا مع مشايخ جبل عامل اتفاقاً جديداً أعاد اليهم بموجبه حكم بلادهم كما كان في السابق، وكان العامليون أوفياء للوالي المذكور، فخاضوا معه القتال ضد درويش باشا والي الشام في معركتي المزه وجسر بنات يعقوب، وظل الاتفاق قائماً بين عبد الله باشا وجبل عامل حتى عام ،1832 العام الذي احتل فيه ابراهيم باشا المصري بلاد الشام، فدخل جبل عامل في الحكم المصري الذي ألحقه بالإمارة الشهابية وكان قد تولاها الأمير بشير الثاني منذ عام ،1790 فكان إلحاقه بهذه الإمارة أحد أهم أسباب اشتراك العامليين بالثورة التي قامت فيما بعد في بلاد الشام على المصريين والشهابيين معاً، وذلك للنزاع البعيد الجذور الذي كان قائماً بين العامليين والشهابيين وقد سبق ورأينا منه أمثلة عديدة.

ثار العامليون على المصريين وحلفائهم الشهابيين، فكان ذلك أول مرة في تاريخهم يتحالفون فيها مع العثمانيين، الذين طالما حارب العامليون ولاتهم وثاروا عليهم، وولى الأمير بشير ابنه الأمير مجيد حكم جبل عامل فبطش هذا بالعامليين ونكل بهم، وسجن رجالهم وحقر علماءهم، واتخذ سياسة العنف والشدة سبيلاً لمعاملتهم بدلاً من اللين والمسايرة، فقاد ثورة العامليين عليه واحد من زعمائهم هو الشيخ حسين بن شبيب بن علي الفارس من آل صعب وأخوه محمد علي، وقد استمرت ثورة الصعبيين هذه ضد الشهابيين وحلفائهم المصريين ثلاث سنوات (1836 - 1839) كانوا في خلالها يهاجمون مراكز الحكومة ويطردون عمالها، ولم يتمكن الأمير مجيد الشهابي من إخماد هذه الثورة، فأخذ ينكل بأهالي الثوار وأقربائهم وذويهم، مما اضطر عدداً من وجهاء الجبل وزعمائه الى التدخل لوضع حد لثورة الصعبيين بشرط الحفاظ على كرامة زعيميها وحياتهما، الا أنهما أبيا ذلك وفضلا مغادرة البلاد الى حوران وضواحي دمشق، ولكن مرضاً ألم بأحدهما الشيخ حسين فظل في منزله بقرية (ياطر) حيث قبض عليه واقتيد الى المشنقة مع واحد من أتباعه، أما أخوة محمد علي فقد فر الى خارج البلاد ولم يعد طيلة حياته.

ولكن لم تكن تلك نهاية الثورة ضد الحكم المصري والشهابي في جبل عامل، فقد حمل لواءها من جديد وفي عام 1840 واحد من أشهر زعماء آل الصغير بعد ناصيف النصار، هو حمد البك المحمود، الذي أعلن الثورة في وقت كانت الدول الكبرى قد اتفقت فيما بينها على انتزاع بلاد الشام من محمد علي واعادتها الى حكم السلطنة، وتحركت الجيوش العثمانية براً تساندها الأساطيل الإنكليزية بحراً، لتنفيذ هذا الاتفاق، ووصلت طلائع هذه الجيوش الى حلب، عندها انطلق حمد البك بثورته من جبل عامل، فقاتل الأمير مجيداً الشهابي حليف المصريين عند "جسر القعقاعية" وكان هذا الأمير مكلفاً مهمة إخضاع جبل عامل من قبل أبيه، فهزمه حمد البك وتابع سيره مع فرقته شمالاً حتى وصل بها الى حمص، حيث اتصل بالجيش العثماني المرابط هناك، فانضم إليه واشترك معه في محاربة المصريين، مظهراً من البطولة ما أكسبه ثناء القائد العثماني عزت باشا وإعجابه، فعيّنه حاكماً لجبل عامل ومنحه لقب شيخ مشايخ بلاد بشارة، وعهد إليه بمطاردة الجيش المصري في الجنوب، فعاد حمد البك ليقاتل فلول هذا الجيش المنهزم في رميش ووادي الجش وشفا عمرو حيث طردهم منها، واستولى على صفد وطبريا والناصرة وأجلى المصريين عنها، وما أن استقر الحكم العثماني في جبل عامل من جديد حتى ثبت حمد البك في منصبه كحاكم عام على هذا الجبل، وظل كذلك حتى وفاته عام ،1852 حيث خلفه في الحكم رجل يدعى علي بك الأسعد الذي توفي عام ،1865 فكان آخر الحكام الاقطاعيين الذين تولوا حكم جبل عامل في هذه الفترة، إذ حكمت الدولة العثمانية، بعد هذا التاريخ، بلاد عاملة حكماً مباشراً، فانتهت بذلك حياة جبل عامل السياسية، وزال الحكم الإقطاعي المحلي من البلاد.

يذكر الدكتور عادل اسماعيل في كتابه (السياسة الدولية في الشرق العربي، جـ2:60) أن محمد علي باشا حاكم مصر كان ينادي بتحرر الشعوب العربية "التي تكون مصدر قوة السلطان بالمال والرجال وتعيش في الامبراطورية العثمانية حياة التابع البائس المستضعف" وان أحد مرافقي ابنه القائد ابراهيم باشا سأل هذا القائد يوماً، وفي أثناء حصاره لعكا، الى أي مدى ستصل فتوحاته؟ فأجاب: "الى حدود البلاد التي لا يتكلم فيها الناس ولا يتفاهمون باللسان العربي".

ويقدم الاستاذ جوزف حجار في كتابه "أوروبا ومصير الشرق العربي ص84 - 99" شواهد وأدلة عديدة تدل على أن محمد علي باشا كان يطمح لتأسيس "امبراطورية عربية" فتية على امتداد البلاد الناطقة بالعربية، بدلاً من الامبراطورية العثمانية الهرمة. ان من يطلع على خفايا المسألة الشرقية في هذه الفترة من تاريخها، وعلى الأدوار الرهيبة التي قامت بها الدول الكبرى الخمس، خصوصاً وزراء خارجيتها في عواصمهم، وسفراؤها في عاصمة السلطنة، وقناصلها في كل من بيروت والاسكندرية، وعلى الجهد المضني الذي بذلوه، والموقف الصلب الذي وقفوه في وجه طموح محمد علي، فمنعوا عنه أي انتصار يمكن أن يصل به الى حد تأسيس امبراطورية عربية، أو الى حد الطموح الى السلطنة، حتى إنهم وقفوا حائلاً بينه وبين أي نوع من التفاهم مع الباب العالي، يرى حرص هذه الدول، وهي غير حسنة النية ولا شك، على أن تظل الامبراطورية العثمانية قائمة بهيكلها المتداعي وكيانها المشرف على الانصهار، لا رغبة في مساعدتها وحباً بالإبقاء عليها، وإنما لإبعاد شبح قيام امبراطورية مماثلة ولكن بدم جديد أكثر حرارة وذات وشائج أكثر متانة، ولكي يتم، في الوقت المناسب، تقويض أركانها، بقصد اقتسام الرجل المريض وتوزيع تركته فيما بينها، فتنال كل دولة حصتها من الغنيمة، تماماً كما حصل بعد الحرب العالمية الأولى.

 

ثانياً - الشخصية العاملية في عهد الإمارتين: الوجه العسكري

كان بودّي، في بحثي هذا، أن أتحدث عن الشخصية العاملية في عهد الإمارتين بوجهيها الاجتماعي والفكري، وهما وجهان مشرقان، وغنيان بالتقاليد العريقة والآثار الفكرية المتطورة، لولا أن ضيق المجال لا يسمح بذلك، فالتحدث عن الشخصية العاملية بجميع جوانبها يتطلب ولا شك بحثاً مستقلاً، بالإضافة الى أنه ربما كان لغيري ممن هم أكثر مني جدارة واختصاصاً، في المجالين الاجتماعي والفكري، أن يقوموا بهذا العمل، لذا رأيت أن أختتم هذا البحث بنظرة في الوجه العسكري، دون سواه، من الشخصية العاملية.

لم تكن القوى المسلحة في جبل عامل مختلفة عن غيرها من القوى الممثلة في الإمارات والمقاطعات في بلاد الشام، والتي كانت تشكل وفقاً لنظام الإقطاع الذي كان سائداً في ذلك الحين، إلا أنه لم يتوفر لدى مؤرخي هذه الفترة من تاريخ جبل عامل، في المجال العسكري، ولأسباب عديدة لا مجال لذكرها هنا، معلومات تجعل الباحثين يحددون، بوضوح وبالتفصيل، تنظيم هذه القوى وعديدها ومستواها، وأن تجمع لديهم معلومات وافرة عن المعارك التي خاضها هذا الجبل في العهدين المعني والشهابي.

ويحدثنا بعض المؤرخين العامليين أن الأسر الإقطاعية التي كانت تحكم جبل عامل في عهد الإمارتين كانت تلتزم، مبدئياً، بما يلتزمه رجال الإقطاع تجاه السلطة المركزية من.. "تأمين الطرق وحفظ الأمن داخل المقاطعة" وأن يلبي الإقطاعي، "برجاله وفرسان مقاطعته، دعوة والي الايالة عند وقوع حرب أهلية أو دولية، ويشترك في أي معركة يوجه إليها"، ولا غرو فقد كان الشعب العاملي، كما يصفه أحد مؤرخيه "شعباً حربياً باسلاً يهزأ بالمنايا، ويرى الموت حياة خالدة تحت شفار السيوف"..

وقد اتقن العامليون بعض فنون الحرب ومارسوها ممارسة عملية، يصف لنا المؤرخ آل صفا هذا الشعب بقوله "وانصرف الشعب العاملي كله في ذاك العهد - والحديث عن العهد العثماني - لممارسة فنون الحرب وأحكام خطتي الدفاع والهجوم، وكانوا لا همّ لهم في فترات السلم إلا شحذ السيوف وتسديد المرمى والكر على ظهور الخيل يعلمونها أولادهم منذ الصغر" وأما نظام الدفاع عن البلاد "فقد كان على درجة من الرقي تدهش الباحثين" ومن فنون القتال التي اتقنها العامليون: الرمي بالبنادق، وضرب الرماح، وسرعة الالتئام والتعبئة عند إعلان النفير، والكر في الهجوم، واليقظة والحذر في الدفاع، وتحصين القلاع والحصون وشحنها بالسلاح والمقاتلين وإجادة القتال فيها.

وكان لكل مقاطعة من مقاطعات جبل عامل راية خاصة يلتئم المقاتلون حولها، إلا أن الاتحاد بين هذه المقاطعات كان تاماً ومتيناً، خصوصاً في زمن الحرب وأوقات الخطر، فإذا هوجمت إحداها "هبّت المقاطعات كلها هبّة واحدة، واتحدت كلمتهم على صد المعتدي بقوة السلاح" وكانت راياتهم من نسيج حريري أخضر وأحمر، وقد طرز عليها، بالنسيج الأبيض، آيات قرآنية وعبارات دينية مثل: "نصر من الله وفتح قريب" أو "لا إله إلا الله محمد رسول الله" أو "لا فتى إلا علي ولا سيف إلا ذو الفقار"، وكانت راياتهم تتقدم جيوشهم في أثناء القتال.

وكان إطلاق النار هو الإشارة الرسمية للتعبئة عندهم "فإذا سمعوا طلقاً نارياً في احدى قراهم أجابوا بإطلاق الرصاص طلباً للنجدة، وتتبعهم في ذلك القرى المتصلة حتى يمتد الصوت على ما قيل من جباع في سفح لبنان الى البصة على حدود عكا".

أما أسلحة المقاتلين فكانت في معظمها البنادق والسيوف والخناجر والرماح، وكانوا يقاتلون مشاة وفرساناً، وكانوا يتحصنون في القلاع مستخدمين النار المحرقة وبعض أنواع المدافع والبنادق، وأما عدد المقاتلين في جبل عامل في ذلك الحين فلم نعرف له رقماً محدداً، وان كنا نعلم أن هذا العدد قد بلغ في عهد التحالف العاملي مع الشيخ ظاهر العمر، أي في النصف الثاني من القرن الثامن عشر ميلادي، نحو عشرة آلاف مقاتل.

وقد عرف العامليون صنع الذخائر، كالبارود، الذي اشتهرت بصنعه قرية "بيت ليف" العاملية.

وكان جبل عامل، منذ القدم، منطقة حصينة ومنيعة، أنشئت فيها قلاع وحصون عديدة تعهدها العامليون باستمرار، وان لم يكونوا قد بنوها بأنفسهم، ولا بد من سرد أسماء أهم هذه القلاع لإظهار مدى أهمية هذا الجبل من الوجهة العسكرية لدى جميع الفاتحين، نذكر: قلعة الشقيف الشهيرة أو شقيف أرنون، وقلعة أبي الحسن، وقلعة هونين، وقلعة شمع (بناها آل الصغير عام 1163هـ) وقلعة دوبيه، وقلعة تبنين.

يذكر، في هذا المجال البارون دي توت Baron de Tott في مذكراته التي نشرها عام 1784 بعنوان: "مذكرات عن الأتراك والتتار Mémoires sur les Turcs et les Tertares عن جبل عامل ما تعريبه: "ان القلاع التي يسكنونها - أي العامليون - تجعلهم أكثر تحفزاً للثورة، وتجعل إخضاعهم أكثر صعوبة. كل جبل عندهم حصن، وكل مالك إقطاعي كبير.. وقد اتفقوا على أن يدفعوا الضريبة السنوية للدولة، وقدرها مايتا كيس، ليتصرفوا بجبالهم وفي ظل زعمائهم".

)Tott, Memoires, T4 p122-123(

وكان العامليون يخضعون، في مجال التجنيد والتبعئة، الى النظم الإقطاعية السائدة في ذلك الحين، ولكن لم يعرف عنهم أنهم استخدموا جنوداً من المرتزقة كالسكمان وسواهم..

ومن العودة الى تقارير القناصل الفرنسيين في صيدا، في هذه الحقبة من الزمن، يمكننا أن نستنتج بعض المعلومات الهامة والمفيدة عن الوضع العسكري للعامليين في عهد الإقطاع، فقد وصف قنصل فرنسا في صيدا عام 1772 شيفالييه دي توليس Chevalier de Taulés في رسالة منه الى الدوق ديغويون Duc D'Aiguillon

وزير الدولة الفرنسية، بتاريخ 30 نيسان 1772 المقاتل العاملي بأنه "لم يكن معتاداً أبداً على البقاء طويلاً في ساحة القتال أو على خوض الحرب بعيداً عن موطنه" وذلك في مجال الحديث عن حصار علي بك المصري والشيخ ظاهر العمر ليافا في العام نفسه، إذ ترك معظم العامليين - كما يقول القنصل في الرسالة نفسها - ساحة القتال وعادوا الى قراهم. ليشيعوا أن "يافا حصن لا يؤخذ".

)Ismail, Documents, T2 p205(

ولكن ذلك لا ينفي ما قدمه العامليون من معونة عسكرية للشيخ ظاهر وحلفائه المصريين في أثناء تحالفهم معهم، إذ يذكر هذا القنصل، في مذكرة بعث بها الى حكومته بتاريخ أول أيار عام ،1772 أنه، في أثناء مهاجمة الأمير يوسف الشهابي وحلفائه العثمانيين لصيدا، في العام نفسه، بقصد تخليصها من يدي ظاهر العمر وحليفه علي بك المصري، كان العامليون على أهبة الاستعداد لأن يقدموا، لمساعدة حلفائهم الصفديين والمصريين، جيشاً يراوح عدده بين 3 و4 آلاف مقاتل Documents T2 p210وقد بقي هذا الجيش في بقعة التجمع وعلى مقربة من ساحة القتال بناء لأوامر الشيخ ظاهر.

كما أن الشيخ ناصيف النصار قد اشترك مع قواته الى جانب الشيخ ظاهر في حصار نابلس في العام نفسه (مذكرة من القنصل نفسه بتاريخ 2 أيار 1772)  Documents T2 p212.

ويقدم القنصل نفسه، في رسالة أخرى منه الى الدوق ديغويون بتاريخ 2 حزيران ،1772 شهادة جيدة بحق العامليين منوّهاً بشجاعتهم فيقول: "يستطيع المتاولة أن يقدموا ما بين 5 أو 6 آلاف مقاتل، وقد تلقوا الأوامر في جميع قراهم بأن يكونوا على أهبة الاستعداد للسير نحو العدو. انهم شجعان، وانتصاراتهم الأولى، بالإضافة الى القيادة التي تعوّدوها منذ عام - وفي هذا إشارة واضحة لقيادة الشيخ ناصيف - أعطتهم ثقة بالنفس هي بالتالي قيمة الشجاعة" إلا أنه يعود فيقول: "انهم ليسوا سوى فلاحين مسلحين لا يستطيعون ترك أرضهم طويلاً".

)Documents T2 p225(

ويتحدث، في مذكرة بعث بها الى حكومته بتاريخ 27 حزيران ،1772 عن العامليين وجيشهم فيقول: "يستطيع كل شيخ من مشايخ بني عاملة أن يعد تحت السلاح من 250 الى 800 مقاتل، وهؤلاء المشايخ، مجتمعين، يمكنهم أن يعدوا جيشاً من 2500 خيال و3500 راجل" Documents T2 p253-245). كما أن تايتبوت (Taitbout قنصل فرنسا بصيدا، في معرض إجابته عن بعض الأسئلة المتعلقة بأوضاع الطوائف في هذه البلاد، عام ،1806 وصف العامليين بأنهم "جنود جيدون" Des bons soldats.

)Documents T3 p52(

ويحاول المؤرخ آل صفا أن يحلل في كتابه (تاريخ جبل عامل) الشخصية العسكرية العاملية، وعلى الرغم من أنه يقع، كثيراً من الأحيان، في المبالغة، إلا أنه يظل يقدم، فيما كتب، للقارئ وللمؤرخ فائدة تذكر، فالعاملي حسب رأيه "من أسرع الشعوب لحمل السلاح" يعتني الى حد كبير بأساليب القتال فيتقنها، ويولي قلاعه عناية فائقة بقصد إعدادها للدفاع فيرممها ويحصنها ويشحنها بالأسلحة والمقاتلين، ويظل على مستوى مرموق من التنظيم، وفي حال دائمة من اليقظة والحذر، فهو مستعد دوماً "لخوض غمار المنايا والمبادرة للنجدة وحمل السلاح" لدى سماعه أول طلق ناري أو لدى أي إشارة من زعمائه وقادته. وإذا كان آل صفا قد تفرد بهذا التحليل للشخصية العسكرية العاملية، فقد وافقه عليه، الى حد كبير، الشيخ أحمد رضا، الذي ذكر، في مجال الحديث عن تضامن العامليين في الحرب، ان راعياً أطلق عياراً نارياً لصد وحش ليلاً فتجاوبت جميع القرى المتصلة بإطلاق النار، اعتقاداً منها أن عدواً يهاجم القرية "وما انجلى عمود الصبح حتى كانت الألوف ترد وتحتشد. والفرسان مهيأة للطعان".

وبعيداً عن الأسلوب العاطفي والأدبي الذي تحدث به هذان المؤرخان عن الشخصية العسكرية العاملية، نستطيع القول، في نهاية حديثنا هذا، أن العاملي ثائر بطبيعته، مقاتل بفطرته. إلا أنه كان يفتقر دائماً الى الفن العسكري المنظم، فظل، بسبب ذلك، يعتمد على شجاعته وبسالته أكثر من اعتماده على أسلوب قتالي تكتيكي محدد، اللهم سوى أسلوب "الكر والفر" الذي كان سائداً في بلادنا حينذاك، باستثناء ما كان يأتي "بداهة" و"دون أدنى حساب" باعتبار ان التكتيك العسكري هو "فن القتال، أو فن إدارة المعركة بشكل يضمن للقائد إحراز النصر".

 

مصادر البحث

- أخبار الأعيان في جبل عامل لطنوس الشدياق، منشورات الجامعة اللبنانية 1970.

- أوروبا ومصير الشرق العربي لجوزف حجار، المؤسسة العربية 1976.

- تاريخ جبل عامل لمحمد جابر آل صفا، دار متن اللغة - بيروت.

- البلاد العربية والدولة العثمانية لساطح الحصري، دار العلم للملايين 1965.

- للبحث عن تاريخنا في لبنان لعلي الزين، طبعة أولى 1973.

- صيدا عبر حقب التاريخ لمنير خوري، المكتب التجاري 1966.

- جبل عامل في التاريخ لمحمد تقي آل فقيه، المطبعة العلمية 1946.

- خطط جبل عامل لمحسن الأمين، طبعة 1 - 1961.

- السياسة الدولية في الشرق العربي لعادل اسماعيل، دار النشر للسياسة والتاريخ 1960.

- الغرر الحسان في تاريخ حوادث الأزمان لحيدر أحمد الشهابي، مصر 1900.

- خطط الشام لمحمد كرد علي، مطبعة المترقي دمشق 1927.

- تاريخ الأمراء الشهابيين بقلم أحد أمرائهم من وادي التيم تحقيق سليم هشي، المديرية العامة للآثار - بيروت 1971.

- تاريخ لبنان العام ليوسف مزهر - بيروت.

- مجلة العرفان لأحمد عارف الزين (اعداد متفرقة).

- أوراق لبنانية ليوسف ابراهيم يزبك، حزيران 1956.

-Les Forces armées dans les Muqata'as libanais-thése pour le Doctorat de 3e Cycle. présentèe par le Col. Y. Souèd Lyon (France 1977 Bibliothéque de L'AUB Université Libanaise e UAB).

- Documents diplomatiques et Consulaires, T1 et, 2, Adel Ismail.

- Mémoires sur les turcs et les tartares, Baron de

kk.gif

الكيان السياسي لجبل عامل قبل 1920

 

بقلم: د. منذر جابر - بيروت 1979

مشكورة خطوة المجلس الثقافي للبنان الجنوبي، فهي تتعدى تقليب صفحات من تاريخ جبل عامل الى ما هو أبعد من ذلك: أعني فتح ملف هذا التاريخ وهو تاريخ مضيّع منسي مرات عدة:

- مضيع أولاً على يد المؤرخين اللبنانيين، فجبل عامل عندهم خالة لهذا الوطن وليس أما، فلا يذكر في كل مراحل التعليم في لبنان، مدرسة وجامعة، الا مرة واحدة عندما أقطع أمير جبل لبنان آل علي الصغير بلاد بشارة بعد معركة عين داره.

والمؤرخون اللبنانيون يؤكدون دائماً على خصوصية المؤسسات الاجتماعية والسياسية اللبنانية، خصوصية كانت وعلى طول الحقب التاريخية "لبنانية صافية، ولكي تحافظ هذه المؤسسات على قدسيتها ولبنانيتها وطهارتها كان لا بد من تغييب التاريخ الخاص بكل منطقة، وبالتالي بكل طائفة، فتخبو والحالة هذه جميع نيران الصراع الكامن والمتفجر حيناً، ويصبح جميع اللبنانيين أخواناً في عائلة "معتمة".

- وتاريخ جبل عامل مضيع ثانياً على يد المؤرخين العامليين انفسهم فالأدبيات العاملية التاريخية، مجموعات موميائية لذكر الوقائع التي تقوم على المصادفة وعلى تراكم الأحداث، والتي تتفق مع هدف معين، وسردها يخلو من عمل التحليل والتعليل والاستنتاج، بالاضافة الى أن كل الكتابات العاملية التاريخية تنطلق أساساً من مجموعة أساطير، هي الآن ثوابت ومسلمات تاريخية تعلو عن النقاش: أسطورة الأصل الواحد (بنو عاملة)، أسطورة التشيع على الصحابي أبي ذر الغفاري، الأساطير التي ترويها العائلات العاملية عن ماضيها أو تختلقها لماضيها.

- وتاريخ جبل عامل مضيع ثالثاً على يد العامليين أنفسهم، فحال هذا التاريخ مع أصحابه الحقيقيين ليس بأحسن منها مع المؤرخين: "لقد أحسست بسحر لا يتحدد وأنا استمع الى متواليين عجوزين ذوي لحى بيضاء، يتحدثان عن مجد المتاولة السابق وعن قوة أجدادهم في سوريا، ثم بعيون دامعة راحا يتحدثان عن ذلهم الحالي وعن مآسيهم في عهد الجزار المخيف" (1). هذا ما يرويه رحالة زار منطقة جبل عامل في ثلاثينات القرن الماضي، وهو ما يزال ينطبق حتى الآن، فالتاريخ في جبل عامل ما زال ختيارا له لحية بيضاء يروي أخباراً متناقلة عن الماضي، ومجموعة من الذكريات غير البعيدة في الزمن والمحفوظة في صدور أقلية من الناس تردد ما يخطر لها منه في حلقات ومجالس ضيقة، فالتاريخ في جبل عامل ما زال تسلية مثقفين، دينيين على الأغلب، لا شاغلاً جماعياً أو تراثاً شعبياً لجماعة تجد فيه صوراً لنفسها ماضياً وحاضراً ومستقبلاً.

لقد خضع جبل عامل منذ عام 1920 لتبدل قسري خض حياته وهزها، فقد وجد نفسه آخر الآمر جزءاً من دولة، مؤسسة، لم تكن له فيها شركة من قبل، اعتبر فيها "قاروطاً" ضائعاً يعتاش على ما تجود به يمين "الخالة" وأولادها الشرعيون. كما أن اقتصاده مع ظروف ما بعد 1920 أفلس أو كاد: الزراعة توشك أن تكون عملاً مجانياً لا يسد الرمق، والحرف ضاقت دائرتها فهجره حرفيون ولجأوا الى مصانع المدينة، والتجارة أمسك بخناقها بعد أن سدت في وجهها أبواب فلسطين وسوريا. باختصار أخذ جبل عامل، جنوب لبنان، يبدو وكأنه بلا حياة، فليس من الحياة الاجتماعية الا بعض سهرات يقيمها صبغاً بعض سكانه الهاربين من حر المدينة. أما في الشتاء فليس الا النسوة والعجائز، والباقي من أهله فمقيم في العاصمة متنقلاً في سكناه مرات عدة بين أحياء بائسة موحلة، يؤدي على الأغلب أكثر الأعمال شقاء وأقلها أجراً، دون أن يعرف استقراراً في عمله أو ثباتاً، وليس له من المراكز الثقافية الا ما تحفظه الذاكرة عن مدارس قديمة كانت في ميس وعيناتا والكوثرية وبنت جبيل، وحتى لو تواجدت فيه بعض مراكز للثقافة فانها تفتقد الحوار أو حتى اللغة المشتركة، "فالمثقف الديني والمثقف الماركسي لا يعترفان ببعضهما البعض والواحد منهما يجد حديث الآخر من غير لغته، وشواغله من غير شواغله، وأسئلته وأجوبته وقضاياه هي غير ما يطرح من أسئلة وأجوبة وقضايا".

في هذا السياق، سياق هجرة العامليين عن جبل عامل، المثقفون بفكرهم والآخرون بوجودهم وعملهم، فمن الطبيعي ان يضيعوا تاريخهم وثقافتهم، وهكذا يبدو جبل عامل وكأنه بلا تاريخ أو أنه لا يحتاج تاريخاً، فالتاريخ، التراث، لا يمكن أن يرافق العامليين على طريق هجرتهم وتنقلهم بين عمل وعمل، بين القرية والمدينة.

وإذا كان التاريخ بالدرجة الأولى، "هم" المثقفين، فإن لهؤلاء أيضاً شاغلهم، الشاغل والأهم هي الوظيفة، بها يدخلون مرحلة "التاريخ" فهي مدفن بؤسهم وبؤس آبائهم، وهؤلاء لا يعون ان لجبل عامل تاريخاً الا في اللحظة التي يكفون بها عن انتاج تاريخهم الخاص، أي في اللحظة التي تسد في وجوههم أبواب الرزق وأبواب الترقي، بحيث يباتون لا يملكون شيئاً الا ما تمليه عليهم حاجات المدينة وغايات رأسماليتها.

بعد هذه المقدمة في ضياع التاريخ العاملي، إسمحوا لي أن أستبق حديثي عن الكيان السياسي لجبل عامل قبل 1920 وأثره في الوعي والفكر الشيعيين، بملاحظتين منهجيتين:

1 - أن كلمة كيان هنا لا تعني انفصالاً أو حاجزاً اجتماعياً تاريخياً وجغرافياً بين جبل عامل وجواره، كما توهم بعض الرحالة الاجانب حين قال ان نهر الليطاني سمي عند مصبه بالقاسمية لأنه يقسم. بفصل بين أمتين متمايزتين ديناً وعرقاً. وانما كلمة كيان هنا يتحدد معناها بحدود التمايز والخصوصيات الجزئية الاجتماعية والسياسية ضمن التاريخ العام الموحد والجامع لكل سكان المشرق العربي.

2 - أن البحث هنا لا يحيط بالظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لنشوء الكيان السياسي لجبل عامل، لأن البحث في هذه النقاط بتعمق سيوقع في تكرار لما سبق وتفضل به المحاضرون السابقون. فالتركيز في الحديث سيكون أساساً على كيفية انعكاس هذا الكيان في وعي وفكر الشيعة.

***

فخر الدين الثاني. التلميذ الأمين لمكيافيللي، حسب تعبير لوتسكي. هو "قابلة" التواريخ الخاصة "لبلاد" المنطقة. بطرحه مشروعاً استقلالياً هو الأول من نوعه في فترة كانت الامبراطورية العثمانية تدخل أزمتها التي استولت عليها وكانت نذيراً بالتدهور الذي أخذ من القرن الثامن عشر يظهر بشكل واضح جلي. وقبل الأمير المعني يصعب تلمس موقع واضح القسمات والملامح لجبل عامل في تاريخ المنطقة اجمالاً، على الرغم من جهد بعض المؤرخين الشيعة في رصد تاريخ خاص للجبل منذ تواجد قبيلة عاملة الأول مروراً بكل العهود التي عرفتها المنطقة حتى الآن، وهو تاريخ يبدو على يد أصحابه اسلامياً حيناً، عربياً حيناً آخر، مضطهراً في كل الأحيان.

في ميزان الأمير فخر الدين وحساباته كان لجبل عامل وزن خاص: اهراء حبوب في متناول يده لا يقاسمه اغترافه أمير محلي آخر (كابن سيفا وسهل عكا) ولا يرى فيه باشا دمشق مجالاً حيوياً لباشويته كما يرى في سهل البقاع. وقلاع جبل عامل الكثيرة (الشقيف. تبنين، دبين، شمع، دير كيفا، هونين) أحوج ما يكون لها الأمير على أبواب صيدا للحجاج الأوروبيين الذين تعهد الأمير لبعض ملوك الغرب بحمايتهم في طريقهم الى بيت المقدس. أضف الى ذلك أن الشيعة يمنيون، والأمير فخر الدين رأس القيسيه. وصراع القيسية واليمينة في مداه آنذاك. ويمنية شيعة جبل عامل تأخذ بعداً أكبر في سياسة الأمير. اذ أن علاقات متينة تربطهم مع شيعة بعلبك آل حرفوش. وهؤلاء على طيب علاقة مع باشوات دمشق الأتراك ووقوفهم الى جانب مصطفى باشا ضد الأمير فخر الدين في معركة عنجر بين واضح، كل هذه الحوافز، خاصة مع وجود مشروع استقلالي كبير كالذي عند الأمير، لم تكن لتسمح أبداً بتدوير زوايا الصراع وتجاوزه بين جبل لبنان وجبل عامل، فمنذ البدء كان خصماً عدائياً لا يحتمل المساومة. (2)

غياب الأمير فخر الدين لم يعن زوال مبررات الصدام بين الجبلين، فالأمير، وإن كان قد فشل في تحقيق مشروعه الاستقلالي. فانه قد نجح الى حد بعيد في جعل ميزان التفاوت الكائن في درجات التبعية للامبراطورية العثمانية يميل لصالح امارته جبل لبنان. فالبرغم من أن كل سوريا كانت ولاية عثمانية، فان سلطة الباب العالي كانت إسمية على جبل لبنان، مقارنة لها بغيرها مع باقي مناطق سوريا. وخاصة مقارنة لها مع منطقة مقطوعة الرأس كجبل عامل.

العلاقة مع الشهابيين خلفاء المعنيين، لم تجمد هذا الطابع الصدامي او تنحو به منحى آخر. فقد بدأت متفجرة مع السنة الأولى التي تولوا فيها الحكم (1698) مع الأمير بشير الراشاني (3) وتتابعت على نفس النسق مواكبة تغير الأمراء في الجبل. أو تغير الباشوات العثمانيين في دمشق أو صيدا، وقد دفع الشيعة فواتير تلك المعارك خسائر في الأرواح والأرزاق "بجدارة شيعية عالية". حتى كان عام ،1744 حيث تمكنوا من تسجيل انتصارهم الأول على أمراء جبل لبنان بشخص الأمير ملحم الشهابي (4) وأتبعوه بانتصار آخر عام 1749 في معركة جباع ومرجعيون (5)، ولا يخفف من نتوء هذه الظاهرة وأهميتها في مجرى العلاقة بين جبل لبنان وجبل عامل انتقام الأمير ملحم واحراقه بعض القرى ووصوله حتى بلاد بشارة (6).

لقد أحدث هذان الانتصاران تغييراً في "الوجه التاريخي" لمنطقة جبل عامل الذي كان نهر هزائم وآلام ينبع من كربلاء ويصب في موقعة أنصار الثانية عام 1743 وكانت اكتمالاً لنشوء كيانه السياسي تحت قيادة شيخ المشايخ ناصيف النصار الوائلي عام ،1749 وهي تجد مقوماتها في اهتزاز المنطقة السياسي آنذاك: فقد عرف النزاع اليزبكي ــ الجنبلاطي بداية اهتياجه في جبل لبنان مع قرب نهاية الأمير ملحم الشهابي بدون عقب، والأمير بدوره على خلاف مع باشا دمشق لتخلفه عن دفع ميري الجبل. ظاهر العمر الزيداني على حدود جبل عامل الجنوبية على خلاف مع ابنائه من جهة ومع باشا دمشق من جهة أخرى. رقعة التعامل السياسي تضيق وتصغر والتوازن فيها دقيق وغير محسوم، وهنا تبدو لجبل عامل أهمية خاصة ووزن أكبر، فهو أكثر المناطق استقراراً بعد توحده الآنف الذكر تحت قيادة ناصيف النصار وضمور الخطر الخارجي على حدوده.

ولكن العامل الحاسم في تغير الوجه التاريخي وولادة الكيان السياسي لجبل عامل، كان وجود ظاهر العمر على الطرف الجنوبي، فقد وجد فيه العامليون الحلقة المفقودة - على الأرض طبعاً - خلال كل تاريخهم الطويل في المنطقة، وهو بدوره رأى فيهم خط دفاع عن مقاطعته صفد التي كانت هدفاً لأغلب غزوات الأمراء الشهابيين ابتداء من ،1698 ولكن أثر هذه الحملات كان يصل بلاد صفد بارداً، بحيث لم تتأثر بها بنفس المقدار الذي كان يتأثر به جبل عامل. وهكذا كانت منطقة جبل عامل وبلاد بشارة على الأخص بوابة لمقاطعة صفد ولفلسطين بالتالي، بالنسبة للأمراء الشهابيين وولاة الدولة العثمانية، وبالمقابل فبالنسبة لظاهر العمر كانت إما سياجاً وإما على الأقل رمالاً متحركة تصونه أمام أخصامه. لا بد إذن من تحالف بين الطرفين، فالخصم مشترك، لذلك رأينا ظاهر العمر بعد أن استطاع الأمير ملحم الوصول الى بلاد بشارة للمرة الأخيرة سنة 1749 "خائفاً وأخذ يجدد أسوار عكا" (7). وفي ظروف الضعف التي كان يعاني منها الطرفان كان التحالف في بدايته ضمنياً خفراً. ومع الوقت أخذ التحالف يبدو للعلن بمساعدات عسكرية فعلية يقدمها ظاهر خاصة في المعركتين اللتين ربح فيهما الشيعة ضد الأمير ملحم. ثم تطور سنة 1767 م (1181 هـ) الى معاهدة قد تكون الأولى من نوعها بين حكام المنطقة، فقد كانت كما جددها ميخائيل نقولا الصباغ "محالفة دفاعية هجومية" (8).

التحالف مع ظاهر العمر أنزل الشيعة ولأول مرة كطرف في لعبة المنطقة، من موقع التحدي للدولة العثمانية، بوقوفهم مع علي بك الكبير حاكم مصر ومحاولته الابتعاد عن السلطنة، وقد خاض الشيعة في عامي 1770 - 1771 منفردين أو بمساهمة متكافئة مع ظاهر معارك خمس كبيرة: نابلس، دمشق، الحولة، كفر رمان حارة صيدا، ضد الأمير يوسف منفرداً أو متحالفاً مع عثمان باشا والي دمشق أو ابنه درويش باشا والي صيدا، وقد انتصروا فيها جميعاً واحتلوا صيدا مع ظاهر ودخلوا دمشق مع أبي الذهب قائد حملة علي بك الكبير الى سوريا (9).

ان هذه الانتصارات البكر التي فاز بها الشيعة ضد أمير الجبل يوسف الشهابي وولاة الدولة العثمانية، كانت أكبر من ان يتحملوا، بكيانهم الناشئ المدين بولادته الى سند خارجي، نتائجها، فمع زوال هذا السند (ظاهر العمر) على يد الجزار، وقفوا ضائعين بلا حول ولم تنفع وفودهم وهداياهم في رد طغيان الجزار عليهم، وقد وقع عام 1780.

ودخول الجزار الى جبل عامل كان أبعد أثراً مما تقف عنده الأدبيات العاملية: دخان المكتبات المحروقة ورائحة الجثث، وذلك لأن فترة ما بعد الجزار مع الأمير بشير الشهابي الكبير، عرفت تحولاً جذريا في علاقة جبل لبنان بجبل عامل. ففي الوقت الذي كان فيه امراء الجبل اللبناني ابتداء من فخر الدين الثاني (10) يدخلون جبل عامل غزاة جباة، دخله الأمير بشير حاكماً شرعياً باجماع مشايخه الذين اجابوه صاغرين بعد أن حدثهم عن دوره الكبير لدى سليمان باشا خليفة الجزار في ارجاعهم الى بلادهم "انهم يأمرون بكل ما يريده ويرسمه" (11). صحيح ان مشايخ جبل عامل انذاك كانوا محشورين في بضعة قرى من اقليم الشومر، بموجب صك الصلح الموقع بين سليمان باشا و"الطياح" في جبل عامل الذين استطاعوا بعد حركة مسلحة طويلة التخلص من سيطرة المشايخ (12)، ولكن هؤلاء "الطياح" وهم الغالبية الفلاحية في جبل عامل عادوا وانضووا تحت سيطرة المشايخ للتمكن من الوقوف في وجه السياسة الابتزازية للأمير بشير الشهابي. ولأول مرة يدخل الشيعة في النظام العائلي الاجتماعي لجبل لبنان وعلى رأسه الأمير بشير الشهابي "رأس سائر العشاير، على كل حال المشايخ المذكورين 1 مشايخ جبل عامل) من العشاير التي هو رأسها" (12). لقد أخضع هذا الانضواء الطوعي منطقة جبل عامل للتأثيرات التي خلفتها سياسة الأمير بشير والتي كان لجبل عامل فيها اعتبارات خاصة، ليس أقلها مردودها المالي، وحاجة الأمير لها في أحداث واقعة أو مستجدة سواء منها داخل الامارة أي في صراع الأمير مع عائلات جبل لبنان أم في علاقاته مع الدولة العثمانية وباشواتها.

عام 1864 وبموجب التنظيمات الجديدة لمنطقة سوريا الحق جبل عامل بولاية بيروت، وهذا يعني أنه أصبح جزءاً عضوياً من ولاية شاملة متسعة على عكس وضعه السابق، وهذا ما جعل العلاقة بينه وبين لبنان تتخلى عن صداميتها العسكرية بعد "الحجر السياسي" الذي فرض على الأخير بموجب نظام المتصرفية. ولكن هذه العلاقة اتخذت مساراً جديداً لا يقل استنزافاً وصدامية: لقد أصبح جبل عامل وفلاحوه رهائن للمرابين القادمين من صوب بيروت وجبل لبنان (ال جوهر، آل غندور، آل الصلح، آل فرنسيس، آل الشمعة، آل مجدلاني، آل عودة)، وقد توكأت هذه البرجوازية في مد سيطرتها على جبل عامل على ازدهار زراعة التبغ فيه في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وقد كان ازدهار الزراعة على حساب المزروعات الغذائية التي تقلصت وافسحت امامها أخصب الأراضي. ولكن هذه الزراعة عادت وضربت بعد احتكارها من قبل شركة الريجي الفرنسية في أول الربع الأخير من القرن التاسع عشر التي فرضت شروطاً على هذه الزراعة، لقد "أخذت الريجي بمصير زراعة التبغ في مناطق معينة وذلك ليتسنى لها حصر الانتاج في أماكن ضيقة تسهل مراقبتها لمكافحة الانتاج اللاقانوني وتهريبه، وكان كل فلاح يود زراعة التبغ مطالباً بالحصول على إذن من الشركة، ولم يكن كل فلاح قادراً على نوال هذا الإذن، فلكي يحصل الفلاح عليه كان لا بد له، وحسب نظامها من التصرف بأرض لا تقل عن خمس الهكتار وأن تكون محاطة بسياج، والا تكون المساحة الفاصلة عن المدينة بأقل من 3 كلم، وان تكون صالحة لزراعة التبغ" (14).

ان هذه الشروط مجتمعة في منطقة كجبل عامل تضيق فيه الملكية الصغيرة التي كثيراً ما تقل عن الحد المطلوب قانونياً أدت الى تدهور الزراعة فلكي يستطيع الفلاح أن يزرع تبغاً كان عليه استئجار أرض اضافية وبأسعار عالية، وأن يستدين ليبني سياجاً، وأن "يرضي" أصحاب العلاقة ليقرروا ان كانت أرضه صالحة لزراعة التبغ، وهذا التدهور أدى الى تجميع الملكيات الصغيرة أو انتقال الملكيات الكبيرة، نتيجة عمليات الربا والرهن الى أيدي قلة متمولة من خارج جبل عامل (البرجوازية البيروتية واللبنانية. آل العظم يملكون مطاحن وادي الحجير). لان الفئآت المتمكنة في جبل عامل (آل الأسعد، آل الفضل) لم تكن قادرة على تخطي اصولها الاجتماعية والدخول في شبكة العلاقات الرأسمالية. هذا بالاضافة الى الابتزاز الذي كان يفرضه منطق التبعية الاقتصادية، فقد كان أهالي جبل عامل ينهبون كمستهلكين، في نفس الوقت الذي كانوا ينهبون فيه كمنتجين عن طريق شراء محاصيلهم بالأسعار التافهة. ان هذه السيطرة الاقتصادية هي علاقة صدامية بحد ذاتها، فالتاجر "الأجنبي" يبقى أجنبياً دوماً، على الرغم من تبلده وسكنه في جبل عامل (آل عودة، آل فرنسيس، آل جوهر، آل مجدلاني..) وقد ترافقت هذه السيطرة بأخرى سياسية فقد أصبحت هذه البرجوازية المرجع الأول في القضايا الحاسمة في جبل عامل: ففي الخلاف الذي نشب في أواخر ستينات القرن التاسع عشر داخل أسرة آل السعد "جاء أحمد باشا الصلح. وأصلح بين الزعيمين، فأعيد تامر بك لمقاطعته وبقيت الرياسة لعلي بك" (15).

عام 1920. عام التحول السياسي في حياة المشرق العربي السياسية، كان كذلك عام الحسم بالنسبة لعلاقة جبل عامل بجواره وخاصة بجبل لبنان، وهو عام تصفية الكيان الذاتي الذي كان قد كسبه جبل عامل ابتداء من سنة ،1749 وذلك بقيام دولة لبنان الكبير، وبهذا الضم الجديد تتكون مجموعة من التناقضات على الأصعدة المختلفة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، ليس أقلها الشرخ السياسي اللبناني بين دعاة الوحدة السورية، واستطراداً العربية الرافضين لبنان كيان مستقلاً، وبين دعاة لبنان المستقل، وهذان الاتجاهان السياسيان ما زالا تقريباً يلخصان الحياة السياسية في لبنان.

لقد وقف العامليون بصلابة مع الحركة العربية عام 1916 - 1920 وساهموا بفعالية في طرد الاتراك، وتابعوا عصاباتهم المسلح ضد وجود الحلفاء وضد مشاريعهم السياسية لتقسيم سوريا، بقيادة صادق الحمزة وأدهم خنجر، وكان مطلبهم الواضح الالتحاق بالمملكة السورية. وليس المجال هنا للحديث بالتفصيل عن هذه الحركة المسلحة "العصابات" التي تمكنت من اقفال جبل عامل بوجه الفرنسيين. ولكن الشيء الملفت للنظر ان هذا الموقف الوطني الواعي لجماهير العامليين ينقلب في اللحظة الأخير ويتمحور الى هجوم على بعض القرى المسيحية (عين ابل)، بالرغم من أن العصابات العاملة في جبل عامل وخاصة كبرياتها (عصابات صادق الحمزة وأدهم خنجر) كانت أبعد ما تكون في طروحاتها عن العمل الطائفي. ففي مؤتمر وادي الحجير الذي انعقد في 24 نيسان. 1920 "جلس صادق أمام العلماء والقرآن بين ايديهم فأخذوا عليه وعلى رجاله الايمان المغلظة ان لا يتعرض لاحد من المواطنين ابناء جبل عامل مسلمين كانوا أم مسيحيين. فأقسم بذلك واستثنى من كان مؤلباً للفرنسيين على الوطن واستقلاله، مجاهراً بذلك للغاصبين المحتلين مسلماً كان أو مسيحياً أو من أي مذهب كان لان جهادنا سياسي لا ديني (16).

ومع الأخذ بعين الاعتبار، مواقف السلطات الفرنسية وخلقها عصابات موالية لها في القرى المسيحية (القليعة، عين ابل)، ومواقف بعض القيادات السياسية في جبل عامل والمؤيدة للفرنسيين ومشروع لبنان الكبير، فان هناك سؤالاً يطرح نفسه: كيف يتحول العمل الوطني في فترة ما الى عمل طائفي؟ وما هي خلفيات ذلك على أرضية الواقع في جبل عامل؟

ان القوى المسيحية في جبل عامل، بتعاملها مع القضايا السياسية، وخاصة الكبرى منها. لم تكن أبداً منسلخة عن ميزان وتوجهات القيادة المسيحية في جبل لبنان، بل ان هذه الأخيرة شكلت على الدوام بعداً ملازماً للصراع بشكليه الكامن أو المتفجر في جبل عامل، وكانت تفرض على "الأطراف" خطها السياسي الذي اكتملت ملامحه وبرزت في أحداث 1860 والذي توسعت قاعدته أفقياً لتشمل مناطق جديدة تحتوي عناصر مسيحية لم تدخل في أحداث 1960 أو مناطق تشمل طوائف لم تدخل الأحداث بسياقها المعروف (17). وقد تطور هذا البعد بفعل الأحداث لان يصبح فعلاً بعداً داخلياً في جبل عامل. يفعل مباشرة في العلاقة بين الشيعة والمسيحيين أثناء أحداث ،1920 والذي زاد من التصاق المسيحيين بقيادتهم العليا في جبل لبنان. إن بلدة عين ابل نفسها تعرضت عام 1860 لهجوم من قبل بلدة بنت جبيل ولمحاولة حرق، وما همّ في المقياس السياسي ان "قام بها جهال في تلك الفترة" (18)، وهذا طبعاً عزز لديهم الخوف من الداخل الشيعي الاسلامي، وهكذا فان العهود في لبنان، ما هم أكان لبنان كبيراً أم صغيراً كانت تعني الاتصال بالعمق الطائفي في جبل لبنان، الذي يحمل بذاته الرد على العمق الشيعي المحيط، وهذا يتطلب برأيهم حماية أجنبية! فكيف اذا كانت فرنسا هي الحامية! وفي هذا السياق بالضبط يأتي جواب أهل عين ابل عندما طلب منهم صادق الحمزة القاء السلاح ورفع العلم الشريفي: "انهم يهنئون الأمير بسمو مقامه ولا يمكنهم وضع سلاحهم ولا رفع العلم الا بأمر حاكمهم الفرنساوي في صور" (19).

وفي الطرف المقابل، كان الدخول في لبنان الكبير يعني بالنسبة للشيعة انسلاخاً عن واقع عربي اسلامي، يتأكد أكثر فأكثر ان لواء القيادة فيه معقود للهاشميين، الشريف حسين وأبنائه، فقد دفع شيعة جبل عامل أكثر للنضال في سبيل هذا الواقع، الأحداث الدموية المتفجرة في العراق ،1920 والتي انطلقت ضد البريطانيين مؤيدة للهاشميين من مدينة النجف بالذات. لبنان الكبير يعني جعل طائفة الشيعة بلا حول أو قوة أمام طوائف أخرى هي أكثر عدداً، وأكثر امكانيات سياسية واجتماعية واقتصادية، وأكثر استناداً الى ظهير خارجي. لبنان الكبير يعني أن سياسة أمراء الجبل وابتزازتهم المالية ما زالت حية، السيطرة على جنوب جبل عامل التي طالما بهرت عيونهم، وموقف الشيعة انذاك من الشروع السياسي المطروح (لبنان الكبير) تمثله خير تمثيل كلمة الشيخ عبد الحسين صادق: "جبل (جبل لبنان) يبتلع جبلاً (جبل عامل)".

ان هذه المقابلة بين الطرفين المسيحي والشيعي في جبل عامل كان يزيد من حدتها، التصاق الطرفين بدائرة جغرافية واجتماعية محددة، فهي لم تكن مقابلة بين طرفين منفصلين يمكن للواحد ان يستقل عن الآخر، وبالتالي يخرج من دائرة المواجهة، اضافة الى ان قوة الأحداث وتسارعها في تلك الفترة كانت تمنع الوصول الى حل وسط، كما كان يحدث في بداية أحداث منتصف القرن التاسع عشر في جبل لبنان: نظام القائمقاميتين، ترتيبات شكيب أفندي، فبينما كانت الهتافات في عين ابل "بيبا (فيفا) فرنسا بيبا، يحيا دين الصليبا" "فرنسا يا شعب مليح يا معزز دين المسيح"، كانت الهتافات في بلدة بنت جبيل المجاورة "تقوا موتوا يا عدوان البنديرة شريفية". ونظرة بسيطة الى هذين الهتافين ترينا التحدي المطروح من كلا الطرفين، وترينا التناقض الصارخ وعدم امكانية الالتقاء في منتصف الطريق: فالتحية لفرنسا ودين الصليب لا تستمد اساسها من "ذات" فرنسا ومن "ذات" دين الصليب، فالهتاف هنا سياسي وليس مونولجيا جماعياً يردده الأهالي ببراءة وطهارة. وهذه الهتافات تستمد أسسها فعلاً من وجود طرف شيعي، له نظرته المغايرة من فرنسا ومن دين الصليب كمتعاون معها. وبالمقابل الهتاف الشيعي "تقوا موتوا يا عدوان البنديرة شريفية". "فالعدوان" هنا ليسوا "المغضوب عليهم" ولا "الضالين" ولا يزيد بن معاوية ولا القوات التركية الراحلة الى غير رجعة، ببساطة انهم أهل الجوار من مسيحيي المنطقة الذين يعارضون البنديرة الشريفية. وادراك المقصود من الهتاف عند كل طرف من قبل الطرف الآخر مسألة بسيطة لا تحتاج الى حس سياسي واع مسبق، الحس السياسي العفوي كفيل بفهم كل الابعاد السياسية لهذه الهتافات.

بعد هذا البحث في العوامل التي كانت تؤثر في الوعي السياسي عند شيعة ومسيحيي منطقة جبل عامل في مواقفهم من أحداث 1920 والمشاريع السياسية المطروحة آنذاك. وهي عوامل تمد بجذورها في مسلسل التحولات التي كانت تطرأ على منطقة جبل عامل باتصالاتها وتفاعلاتها مع جبل لبنان، بعد هذا نستطيع أن نفهم كيف قيض للشكل الطائفي أن يصبغ بصبغته عملاً وطنياً كبيراً للعامليين عام 1920. وهذا الشكل الطائفي بدوره شكل مدخلاً للقوات الفرنسية للاحتلال جبل عامل بعد أن أصبح لديها دليل تثبت من خلاله حقها في حماية الأقلية المسيحية، وفعلاً جردت فرنسا حملة، على جبل عامل بقيادة الكولونيل "نيجر" مارست ضروب القتل والنهب والتدمير (20) والارهاب السياسي والفكري، هذا الارهاب الذي استمر حتى ثلاثينات القرن الحالي والذي دفع بشاعر عاملي، عبد الحسين عبد الله، ان يحسد كلاباً على مزبلة:

يهنيكم يا كلاب الحي أنكم         لا تشعرون ببشكوف ولا جان.

والغريب ان الدولة اللبنانية كافأت الكولونيل "نيجر" وأطلقت اسمه على أحد شوارع العاصمة.

***

والآن كيف انعكست هذه العلاقة الصدامية على الوعي والفكر الشيعيين؟

- ان هذه الصدامية المتواترة مع جبل لبنان منذ القرن السابع عشر حين بدأت بداية أزمة الدولة العثمانية، وحين اجبرت السلطنة على الاعتراف باستقلال ذاتي وجوهري للملل والطوائف الدينية (21). كانت تحمل في أحشائها بذور وعي سياسي طائفي جديد لدى شيعة المنطقة. وجد أولياته مع فخر الدين الثاني، فالاضطهاد الأيوبي أو المملوكي لم يحمل بذوراً مثل هذه، لأنه في عرف شيعة جبل عامل ووعيهم بقي معلقاً في فراغ الصدام الأكبر منذ كربلاء دون أن يلامس الأرضية الاجتماعية والسياسية للواقع المعيوش. مع المعنيين والشهابيين خرج التشيع من مدارس التعليم الديني والتي كانت كثيرة في العهدين المملوكي والأيوبي، وكذلك خرج التشيع من التقية "الملجأ" الشيعي الأمين في الأزمات، ليطل وجوداً سياسياً مللياً طائفياً، فالشيعة في جبل عامل اكتشفوا انفسهم كشيعة محددين في الزمان والمكان من خلال تعاملهم مع مسيحيين ودروز وسنة. وعي هذا الوجود الطائفي المحلي انعكس في التسمية الجديدة "المتاولة" والموقوفة عليهم وحدهم من بين "رافضة الاسلام" والتي ترجعها المصادر أما الى أوائل القرن الحادي عشر للهجرة وأما الى أواخره (22)، وفي كلتا الحالتين يبقى مولد التسمية بين 1600 ــ 1700 أي أنها وردت مع بدء التفاعل الدرزي السني المسيحي المباشر مع شيعة جبل عامل. والخلاف على مصدر اشتقاق الكلمة لا يعدل في دلالاتها، فسواء أكانت مشتقة ــ كما تذهب الأدبيات العاملية ــ على غير قياس من تولى أي اتخذ ولياً أو على "قياس" من توالى على حبه لآل البيت، أو من "مت وليا لعلي" نداء ينخون به بعضهم في المعارك، فان كلمة متوالي بتفسيراتها تبرز الشعار الموحد والجامع "الامام علي وآل البيت"، وهذا بديهة ليس بجديد، وجه الجدة يمكن في مرادفة التسمية الجديدة لسلوك سياسي جديد في مرحلة تاريخية معينة، وملاحظة الشيخ علي الزين حول التسمية في تمام محلها "على اننا لم نجد هذا اللقب قد انتشر الا بين الذين غامروا في لهوات الحروب في ذلك العصر، وانغمسوا في تلك الفتن مثل بلاد بشارة وبلاد بعلبك وكسروان، أما الذين لم يندمجوا في هذا السلك الأحمر كسكان دمشق منهم وأرباض حلب، فلم يكن لهم من اطلاق لفظ المتاولة عليهم نصيب" (23).

وهكذا ففي الوقت الذي كانت فيه "حياة" الشيعة "فترة سجن" يذوبون فيها حنيناً لآل البيت مصهورين بحبهم لهم "من ذرف دمعة على الحسين فقد أطفأ جمرة من نار جهنم"، يعيشونها كتلة هلامية تمثل الحق المطلق وليس وجوداً سياسياً فاعلاً. ولماذا الفعل؟! ما دام الحق قد غلب نهائياً بمقتل الحسين ولن يعود الى نصابه الا مع ظهور المهدي الذي سيملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت جورا، ولا سلطة اطلاقاً خارج هذا الظهور، وما دامت الامامة تكليف من الله، فان رفض السلطة لم يعد يعني فقط رفض المغتصبين الأوائل (الأمويين والعباسيين) بل رفض أي سلطة خارج ظهور المهدي، فدولة الفاطميين والبويهيين والايرانيين كلها سلطات زمنية في عقيدة الشيعة لا تمت الى الدين بصلة. ففي الوقت الذي كانت فيه "حياة" الشيعة كذلك، أصبحت مع المعنيين والشهابيين وخاصة في فترة ناصيف النصار لها أبعاد "متوالية" عاملية، يتعامل الشيعة بكل أدواتها الدنيوية والسياسية: السيف والخيل، الخصم المحدد والصديق الحليف، الأرض المحرمة على العدو، العز والجاه والوجاهة، ولنا من قصائد الفلسطيني "شناعة المريمي" الناطق زجلاً باسم المتاولة في كل أشعاره، عن صراعهم مع أمير جبل لبنان يوسف تمثيل لهذه الأفكار الطارئة:

لا بني متوال ظهر العاديات       من ظهور الخيل يمضون الصقال

ما يفوت المير ديرتنا حرام        لو نبت من فوق طربوشو النخل

وفي وصفة لجيش الأمير يوسف:

دروز وغز وتلايم معاهم         كراد رجال ما يدروا الوجاهة

على لسان ناصيف النصار:

ما زالي ناقلاً للرمح بيدي         بني متوال في عز وجاها

وقد وعى الشيعة أنفسهم كمتاولة الى الآخر، بمعنى أن وعي الذات في واقع طائفي متأزم يفترض الحط من قيمة الآخرين من طوائف أخرى، والنيل منهم والاستهزاء بهم، على لسان نفس الشاعر في وصف جيش الأمير يوسف الشهابي في موقعة كفر رمان التي انتصر بها المتاولة:

شي دروز وشي يهود وشي قرود     وشي نصارى وشي كراد وشي ملل

يحسبون الحرب هو بيعة حرير         وايش جاب الحرب لغزل الشلل

ومع تغير شكل العلاقة بين المنطقتين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وزوال الصدامية مع اقرار نظام المتصرفية الخاص بجبل لبنان، لم يتغير مضمون هذا الوعي، وانما ارتد الى مستواه الديني. ومرة ثانية يحضر الزجل الشعبي شاهداً على هذ التحول، ففي مناظرة شهيرة بين الزجلي المتوالي "محمود حداثا" وآخر مسيحي "داوود" في أواخر القرن التاسع عشر، يحال "محمود حداثا" اثبات تفوق المتاولة "نوعياً" على المسيحيين ابتداء من الايمان بوحدانية الإله:

متوالي ومش متخبي         الله أخبر في وفيك

مش متلك جاحد ربي      وعامل لو حرمة وشريك

ابتداء من هذا وانتهاء بكل التفاصيل والفروقات الصغيرة بين الحياة الدينية الاجتماعية للطائفتين. ولا ينسى الشاعر المتوالي في المناسبة استحضار الدروز والتذكير بتفوق المتاولة عليهم، حتى ولو كانوا خارج دائرة المناظرة آنذاك، اذ يقول على لسانهم:

بني متوال ما فيناش ليهم        نعم شدوا العزيمة على النصارى

وطبعاً ليس من قبيل الصدفة أن تكون الأمثلة مسحوبة من الزجل الشيعي، وقد تكون مقتصرة عليه، فهو مؤشر التوجيهات السياسية والاجتماعية الشعبية، كونه أكثر شيوعاً وأكثر التصاقاً بتفاصيل الحياة اليومية.

***

ان وعي الشيعة لتميزهم تفاعل مع مستجدات القرن 17 وما بعده، فتميزهم قبلا كان في تذكر ائمتهم، وفي التذكير عبرة ومعرفة ذات، فسيرة الأئمة معلم تاريخي يتعدى في خصوصيته وفعله الاجتماعي، بالنسبة للشيعة، السيرة النبوية، كفعل سياسي عام، فالأئمة هم "مصابيح الهدى وقناديل الدجى والنجم الساري في الليل"، وقد اعتبر الشيعة في جبل عامل من سيرة ائمتهم (ليس منا آل البيت من لم يمت مقتولاً أو مسموماً)، وقدموا في عصر المماليك الشهيد الأول، وقبل فخر الدين قدموا الشهيد الثاني. الأول، كما تصفه الادبيات العاملية "كان فقيهاً عملاقاً في المقدرة والشهرة... اعتقل من قبل السلطان المملوكي، دام اعتقاله أحد عشر شهراً، ثم قتل وصلب وأحرقت جثته في 1384" (24) والثاني بموجب الأدبيات العاملية كذلك، "عالم قتل بعد أن أتهمه السلطان كمبتدع خارج على المذاهب الأربعة... وقيل أنه بقي مطروحاً ثلاثة أيام في العراء" (25).

ان مفهوم الشهادة في الحالتين، مفهوم شيعي صرف، بمعنى أن الشهادة هنا تدخل في نطاق الصراع الثنائي بين الخير والشر بين الشيعة و"الآخرين"، الصراع الذي ينتج نفسه دون فجاءات، فالنظرة الشيعية تسقط التاريخ من حسابها والأحداث تتساوى ما دامت جميعها حلقات سوداء في خط الانسانية الذي غدا أسود منذ بويع أبو بكر وغصب حق علي.

منذ بداية القرن ،17 ومع تغير طبيعة المواجهة الشيعية مع المعنيين والشهابيين ظهر "الشهيد السياسي"، فالشهادة تحولت من شيعية لها أبعادها الكونية الى شهادة متوالية عاملية حيزها محدد زماناً ومكاناً. فاذا كان الشهيدان الأول والثاني قتلا في فترة عرفت تعصباً ضد الشيعة مع المماليك (حملة كسروان وفتاوى ابن تيمية) وبعد ان اتهما كمبتدعين خارجين على المذاهب الأربعة - كما تخبرنا الأدبيات العاملية - وفي أمكنة خارج جبل عامل: الشهيد الأول في دمشق (عاصمة الأمويين) والشهيد الثاني في الطريق الى الاستانة (مركز السلطة الطاغية) مما يسنن ويصقل شفرة المواجهة، بتكرار شكل النموذج التاريخي الشيعي (الم يستشهد الحسين بعد خروجه الى كربلاء؟)، فان الشهيد السياسي له في شهادته وجه آخر، زعماء جبل عامل: مشرف بن علي الصغير، علي بن علي الصغير، منصور بن علي الصغير، ناصيف النصار، عباس المحمد، علي الفارس الصعبي، قاسم المراد، علي المنصور المنكري وآخرون غيرهم قتلوا في أماكن من جبل عامل ولاسباب محددة: هي حسب رأي مؤرخي تلك الفترة ورواتها: ثأر من أمير جبل لبنان لشماتة الشيعة بوفاة والده، "مخرقة" المتاولة على حدود امارة الجبل، خلاف على ملكية قرية، تهرب من دفع ميري، انتقام الشيعة من الدروز بعد الاعتداء على مكاري منهم. الشماتة، المخرقة، الانتقام، ملكية لقرية، كرامة الطائفة واستقلالها السياسي والاقتصادي، كل هذه أسباب خصام ومجابهة بين شيعة جبل عامل والجوار، ولا مجال هنا أبداً لمقارنة هذه "الفتن الصغرى" "بالفتن الكبرى"، مفاصل التاريخ الشيعي ومنبع الشهادة فيه: اغتصاب الخلافة من علي وبلاء كربلاء.

ان ظهور الشهيد السياسي كان يواكب انتظام المتاولة في وحدة سياسية لها وعليها، تخاصم وتعقد تحالفات، والمرحلة التي نحن بصدد الحديث عنها تحفل باشارات بالغة الأهمية على هذا الصعيد، فبعد أن كان تعاضد الشيعة فيما بينهم "دب صوت"، ينقل لأول مرة عن انه أثناء مهاجمة فخر الدين الثاني لبعض القرى في جبل عامل كان "وجهاؤها غائبين في جمعية لبني متوال" (26)، وهذا حدث بحد ذاته في تاريخ جبل عامل السياسي. الحدث الثاني كان مواجهة الشيعة مجتمعين، وان لم يكن تحت قيادة موحدة، الأمير أحمد المعني عام 1077هـ - 1666م في واقعة النبطية (27)، ومع تراصف الشيعة في جبل عامل تحت قيادة سياسية واحدة مع ناصيف النصار تحفل لمراجع التاريخية بإشارات كثيرة عن تحالفات بين جبل عامل وجواره كالمحالفة الدفاعية الهجومية مع ظاهر العمر أو بالجمعيات الكثيرة التي كانت تعقد دورياً بين بعض الأمراء الشهابيين والشيخ علي جنبلاط من جهة وبين الشيخ ناصيف النصار من جهة ثانية في صور أو حاصبيا أو دير القمر أو عكا (28).

قد يتبادر هنا الى أن المتولة في جانبها السياسي الجديد لشيعة جبل عامل في تعارض مع التشيع كمبدأ ديني صرف، وهي في تحديدها واقتصارها على شيعة جبل عامل في تعارض مع كونية هذا المبدأ (ليس بلد أحب بك من بلد خير البلاد ما حملك. الإمام علي) ولكن هذا التعارض يغور إذا ما أدركنا أن هذا الواقع السياسي الجديد لم يكن بمعزل عن المحرك الطائفي الديني، فالتفاعلات التي حصلت مع رؤية كل خلفياتها السياسية والاجتماعية لم تكن بنظر "المتوالي" سوى أن الآخرين من مذهب آخر يريدون منه كطائفة وكمذهب أولاً وقبل كل شيء، فالسياسة والاجتماع، ليست "قضايا" شيعية واستطراداً ليست قضايا متوالية، وإذا كان لا بد من الحرب فلتكن ضد أعداء التشيّع كمذهب والشيعة كطائفة، وهذا طبعاً قمة الصفاء الديني وقمة الإخلاص لله والأئمة، إذ يكفي أن يضحي الانسان "شيعياً" حتى يكون قد اختصر مسافات زمنية من الإيمان ومصيره بالطبع الجنة، والمتولة لا تخرج أبداً عن هذا الإطار، فهي ممارسة سياسية للتشيّع "المتربّص"، الحذر، الذي صفع وأدمى مراراً آخرها مع المماليك والأيوبيين، فجبل عامل بنظر أهاليه يوشك أن يكون "أرض التشيّع المختارة" والدفاع عنه سلطة وحدوداً وخيرات، دفاع عن التشيّع مذهباً كونياً، كيف لا، وجبل عامل بعرف مؤرخيه أول المناطق تشيّعاً، ولم يسبق الى ذلك إلا قلة من رجالات المدينة المنوّرة (29)، وهو ثانياً، بعرف مؤرخيه. كذلك، تشيّع على يد صحابي جليل: أبو ذر الغفاري، أحد أربعة مقرّبين الى قلب الرسول، يدخلون الجنة بغير استئذان، واسمه يذكر غالباً مقروناً بالحديث الشريف "ما أظلت الغبراء ولا أقلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر"، وشيعة جبل عامل ليسوا كغيرهم - وان تشيّع - أهل فتنة ونفاق، ولم يملأوا قلب علي قيحاً، كما يدين الإمام شيعة العراق، وهم أخيراً لم يستشعروا مرة ندماً، كما غيرهم ممن تخلى عن الحسين في كربلاء، وهم الآن يرددون بصوفية تقترب من الغيبوبة، في جالس التعزية التي تعقد يومياً "يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزاً عظيماً". يا ليتنا كنا مع الحسين، لا ليهزم يزيداً، بل لينتصروا هم على الدنيا، بشهادة شيعية، يفوزون بعدها بالجنة.

 بعض مراجع البحث

1- PERRIER Ferdinand, La Syrie sous le gouvernement de Mehemet Ali, Paris, 1842, p234.

2 - للحصول على تفاصيل عن المعارك راجع: علي الزين، للبحث عن تاريخنا في لبنان، بيروت، 1973 ص 254 - 265.

3 - راجع حيدر أحمد شهاب، لبنان في عهد الأمراء الشهابيين، بيروت، ،1933 ص ،8 منير الخوري، صيدا عبر حقب التاريخ، بيروت، ،1964 ص 259.

4 - حيدر شهاب، المرجع السابق ص ،34 سليمان ظاهر، العرفان، مجلد ،28 ص 346.

5 - للحصول على تفاصيل وافية راجع حيدر شهاب، المرجع السابق، ص ،41 سليمان ظاهر، العرفان، مجلد ،28 ص ،348 طنوس الشدياق، أخبار الأعيان في جبل لبنان، مجلد 2 ص ،29 علي الزين، المرجع السابق، ص 440 - 443.

6 - راجع حيدر أحمد شهاب، مرجع سابق ص 43.

7 - راجع حيدر أحمد شهاب، مرجع سابق ص 43.

8 - ميخائيل نقولا الصباغ، تاريخ ظاهر العمر، حريصا، من دون تاريخ طبع، ص 39.

9 - للحصول على تفاصيل واسعة عن هذه المعارك راجع: مخائيل بريك، تاريخ الشام، حريصا، ،1930 ص 94 - ،96 وحيدر أحمد شهاب، مرجع سابق، ص 85 وVolney: Voyage en egypte et la Syrie pendant les années 1783, 1784 et 1785 T. 2, p17. وادوار لاكروا، تاريخ أحمد باشا الجزار، تعريب جورج مسرة، ساو باولو، ،1924 ص ،29 ميخائيل نقولا الصباغ، مرجع سابق ص 99 - ،102 حيدر رضا الركيني، جبل عامل في قرن، العرفان، مجلد ،28 ص 54 - 55. علي الزين، مرجع سابق، ص 510 - ،511 عيسى اسكندر المعلوف، دواني القطوف في تاريخ بني المعلوف، بعبدا، 1907 - ،1908 ص ،207 طنوس الشدياق مرجع مذكور، ص 43.

10 - من المؤرخين من يجعل حكم المعنيين لجبل عامل مباشرة بعد معركة مرج دابق 1516: راجع قرألي بولس، تاريخ فخر الدين المعني ص 92 - 93. أما الدكتور كمال الصليبي في بحثه "حول نسب فخر الدين" المنشور في جريدة النهار عددي 31 تموز و14 آب 1966 فيجعل السيطرة مع الأمير فخر الدين المعني.

11 - راجع ابراهيم العورة، تاريخ ولاية سليمان باشا العادل، صيدا، لبنان، 1930 ص 44.

12 - راجع ابراهيم العورة، تاريخ ولاية سليمان باشا العادل، صيدا، لبنان، 1930 ص 142 - 143.

13 - ميخائيل مشاقة مرجع مذكور، ص 38.

14 - بدر الدين السباعي، أضواء على الرأسمال الأجنبي في سوريا، دمشق، ،1967 ص 43.

15 - محمد جابر آل صفا، تاريخ جبل عامل، دار متن اللغة، ص 59.

16 - أحمد رضا، العرفان، مجلد ،33 جزء ،9 ص 989.

17 - راجع وضاح شرارة، في أصول لبنان الطائفي اليميني الجماهيري اللبناني، بيروت ص 111 - 113.

18 - الشيخ محمد مهدي مغنية، جواهر الحكم، مخطوطة غير منشورة.

19 - كليمنتين خياط، المشرق، مجلد ،18 ص 781.

20 - للحصول على تفاصيل وافية عن أعمال الحملة، راجع العرفان، مجلد ،33 جزء ،6 ص 609 -610 عن لسان متطوع ساهم في أعمال الحملة.

21 - راجع: ز. ي. هرشلاغ، مدخل الى التاريخ الاقتصادي للشرق الأوسط، بيروت، ،1972 ص 15.

22 - راجع علي الزين، مرجع سابق، ص 481.

23 - علي الزين، مع التاريخ العاملي، صيدا، ،1954 ص 41.

24 - علي مروه، تاريخ جبع، بيروت، دار الأندلس، ،1967 ص 36.

25 - المرجع السابق، ص 47.

26 - علي الزين، للبحث عن تاريخنا... نقلاً عن الصفدي، تاريخ فخر الدين، ص 16.

27 - علي السبيتي، جبل عامل في قرنين، العرفان، المجلد ،5 ص 21.

28 - راجع حيدر رضا الركيني، جبل عامل في قرن، العرفان، مجلد ،28 ص 158 - 256 - 454.

      29- محسن الأمين، خطط جبل عامل، الجزء الأول، بيروت، ،1961 ص 65.

Back to Top

لمعرفة رأيكم وملاحظاتكم نرجوا مراسلتنا على البريد الالكتروني

KFARKELA_MJ@YAHOO.COM

 

KFARKELA@HOTMAIL.COM

KFRKELA@YAHOO.COM